إنه مشهد عجيب , يرسم الجبار الخائب المهزوم ووراءه مصيره يخايل له على هذا النحو المروع الفظيع . وتشترك كلمة(غليظ)في تفظيع المشهد , تنسيقا له مع القوة الغاشمة التي كانوا يهددون بها دعاة الحق والخير والصلاح واليقين .
الدرس الرابع:18 - 20 صورة عن خسارة الكفار وقدرة الله المطلقة
وفي ظل هذا المصير يجيء التعقيب مثلا مصورا في مشهد يضرب الذين كفروا , ولفتة إلى قدرة الله على أن يذهب المكذبين ويأتي بخلق جديد . . ذلك قبل أن يتابع مشاهد الرواية في الساحة الأخرى , وقد أسدل الستار على فصلها الأخير في هذه الأرض , مخايلا بالساحة الأخرى:
(مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف . لا يقدرون مما كسبوا على شيء . ذلك هو الضلال البعيد). .
ومشهد الرماد تشتد به الريح في يوم عاصف مشهود معهود , يجسم به السياق معنى ضياع الأعمال سدى , لا يقدر أصحابها على الإمساك بشيء منها , ولا الانتفاع به أصلا . يجسمه في هذا المشهد العاصف المتحرك , فيبلغ في تحريك المشاعر له ما لا يبلغه التعبير الذهني المجرد عن ضياع الأعمال وذهابها بددا .
هذا المشهد ينطوي على حقيقة ذاتية في أعمال الكفار . فالأعمال التي لا تقوم على قاعدة من الإيمان , ولا تمسكها العروة الوثقى التي تصل العمل بالباعث , وتصل الباعث بالله . . مفككة كالهباء والرماد , لا قوام لها ولا نظام . فليس المعول عليه هو العمل , ولكن باعث العمل . فالعمل حركة آلية لا يفترق فيها الإنسان عن الآلة إلا بالباعث والقصد والغاية .
وهكذا يلتقي المشهد المصور مع الحقيقة العميقة , وهو يؤدي المعنى في أسلوب مشوق موح مؤثر . ويلتقي معها التعقيب:
(ذلك هو الضلال البعيد). .
فهو تعقيب يتفق ظله مع ظل الرماد المتطاير في يوم عاصف . . إلى بعيد !!
ثم يلتقي مع مشهد الرماد المتطاير ظل آخر في الآية التالية , التي يلتفت فيها السياق من مصائر المكذبين السابقين إلى المكذبين من قريش , يهددهم بإذهابهم والإتيان بخلق جديد:
(ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق . إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد . وما ذلك على الله بعزيز). .
والانتقال من حديث الإيمان والكفر , ومن قضية الرسل والجاهلية إلى مشهد السماوات والأرض . . هو انتقال طبيعي في المنهج القرآني كما أنه انتقال طبيعي في مشاعر الفطرة البشرية يدل على ربانية هذا المنهج القرآني . .
إن بين فطرة الكائن الإنساني وبين هذا الكون لغة سرية مفهومة ! . . إن فطرته تتلاقى مباشرة مع السر الكامن وراء هذا الكون بمجرد الاتجاه إليه والتقاط إيقاعاته ودلالاته !
والذين يرون هذا الكون ثم لا تسمع فطرتهم هذه الإيقاعات وهذه الإيحاءات هم أفراد معطلو الفطرة . في كيانهم خلل تعطلت به أجهزة الاستقبال الفطرية . كما تصاب الحواس بالتعطل نتيجة لآفة تصيبها . . كما تصاب العين بالعمى , والأذن بالصم , واللسان بالبكم ! . . إنهم أجهزة تالفة لا تصلح للتلقي ; ومن باب