وإذن فالله هو الذي يتولى الأمر . وهو عالم بما يبدو وما يخفى , مطلع على كل تفكير وكل تدبير . والأمر عنده عظيم . ومن شاء فليتعرض . فإنما يتعرض لبأس الله الساحق الهائل العظيم .
وبعد الإنذار والتهديد يعود السياق إلى استثناء بعض المحارم الذين لا حرج على نساء النبي [ ص ] في أن يظهرن عليهم:
(لا جناح عليهن في آبائهن , ولا أبنائهن , ولا إخوانهن , ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن , ولا نسائهن , ولا ما ملكت أيمانهن . واتقين الله . إن الله كان على كل شيء شهيدا). .
وهؤلاء المحارم هم الذين أبيح لنساء المسلمين عامة أن يظهرن عليهم . . ولم أستطع أن أتحقق أي الآيات كان أسبق في النزول ; الآية الخاصة بنساء النبي [ ص ] هنا , أم الآية العامة لنساء المسلمين جميعا في سورة النور . والأرجح أن الأمر كان خاصا بنساء النبي [ ص ] ثم عمم . فذلك هو الأقرب إلى طبيعة التكليف . و لا يفوتنا أن نلحظ هذا التوجيه إلى تقوى الله , والإشارة إلى اطلاعه على كل شيء: (واتقين الله , إن الله كان على كل شيء شهيدا). فالإيحاء بالتقوى ومراقبة الله يطرد في مثل هذه المواضع , لأن التقوى هي الضمان الأول والأخير , وهي الرقيب اليقظ الساهر على القلوب .
الدرس الرابع:56 - 58 أمر المسلمين بالصلاة على الرسول عليه السلام ونهيهم عن إيذائه وإيذاء المؤمنين الآخرين
ويستمر السياق في تحذير الذين يؤذون النبي [ ص ] في نفسه أو في أهله ; وفي تفظيع الفعلة التي يقدمون عليها . . وذلك عن طريقين:الطريق الأولى تمجيد رسول الله [ ص ] وبيان مكانته عند ربه وفي الملأ الأعلى . والطريق الثانية تقرير أن إيذاءه إيذاء لله - سبحانه - وجزاؤه عند الله الطرد من رحمته في الدنيا والآخرة , والعذاب الذي يناسب الفعلة الشنيعة:(إن الله وملائكته يصلون على النبي . يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما . إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا). .
وصلاة الله على النبي ذكره بالثناء في الملأ الأعلى ; وصلاة ملائكته دعاؤهم له عند الله سبحانه وتعالى . ويا لها من مرتبة سنية حيث تردد جنبات الوجود ثناء الله على نبيه ; ويشرق به الكون كله وتتجاوب به أرجاؤه . ويثبت في كيان الوجود ذلك الثناء الأزلي القديم الأبدي الباقي . وما من نعمة ولا تكريم بعد هذه النعمة وهذا التكريم . وأين تذهب صلاة البشر وتسليمهم بعد صلاة الله العلي وتسليمه , وصلاة الملائكة في الملأ الأعلى وتسليمهم ; إنما يشاء الله تشريف المؤمنين بأن يقرن صلاتهم إلى صلاته وتسليمهم إلى تسليمه ; وأن يصلهم عن هذا الطريق بالأفق العلوي الكريم الأزلي القديم .
وفي ظل هذا التمجيد الإلهي يبدو إيذاء الناس للنبي [ ص ] بشعا شنيعا ملعونا قبيحا:(إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة , وأعد لهم عذابا مهينا). . ويزيده بشاعة وشناعة أنه إيذاء لله من عبيده ومخاليقه . وهم لا يبلغون أن يؤذوا الله . إنما هذا التعبير يصور الحساسية بإيذاء رسوله , وكأنما هو إيذاء لذاته جل وعلا . فما أفظع ! وما أبشع ! وما أشنع !
ويستطرد كذلك إلى إيذاء المؤمنين والمؤمنات عامة . إيذاؤهم كذبا وبهتانا , بنسبة ما ليس فيهم إليهم من النقائص والعيوب: