|
في ظلال القرآن
الكريم
الأحزاب من الاية 9 الى الاية 9 يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نöعْمَةَ اللَّهö عَلَيْكُمْ إöذْ جَاءتْكُمْ جُنُودñ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهöمْ رöيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بöمَا تَعْمَلُونَ بَصöيراً (9)
الوحدة الثانية:9 - 27 الموضوع:مشاهد ولقطات من غزوة الأحزاب الرسالة الأخيرة - (ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم). . وبعد بيان أصحاب الميثاق عاد إلى وصف الميثاق نفسه: (وأخذنا منهم ميثاقا غليظا). . ووصف الميثاق بأنه غليظ منظور فيه إلى الأصل اللغوي للفظ ميثاق - وهو الحبل المفتول - الذي استعير للعهد والرابطة . وفيه من جانب آخر تجسيم للمعنوي يزيد إيحاءه للمشاعر . . وإنه لميثاق غليظ متين ذلك الميثاق بين الله والمختارين من عباده , ليتلقوا وحيه , ويبلغوا عنه , ويقوموا على منهجه في أمانة واستقامة . (ليسأل الصادقين عن صدقهم). . والصادقون هم المؤمنون . فهم الذين قالوا كلمة الصدق , واعتنقوا عقيدة الصدق . ومن سواهم كاذب , لأنه يعتقد بالباطل ويقول كلمة الباطل . ومن ثم كان لهذا الوصف دلالته وإيحاؤه . وسؤالهم عن صدقهم يوم القيامة كما يسأل المعلم التلميذ النجيب الناجح عن إجابته التي استحق بها النجاح والتفوق , أمام المدعوين لحفل النتائج ! سؤال للتكريم , وللإعلان والإعلام على رؤوس الأشهاد , وبيان الاستحقاق , والثناء على المستحقين للتكريم في يوم الحشر العظيم ! فأما غير الصادقين . الذين دانوا بعقيدة الباطل , وقالوا كلمة الكذب في أكبر قضية يقال فيها الصدق أو يقال فيها الكذب . قضية العقيدة . فأما هؤلاء فلهم جزاء آخر حاضر مهيأ , يقف لهم في الانتظار: (وأعد للكافرين عذابا أليما). . مقدمة الوحدة في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ . ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا , وتتضح سماتها . وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة . وطابعها المميز بين سائر الجماعات . وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة , وكانت فتنة كفتنة الذهب , تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ; وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها , فلا تعود خليطا مجهول القيم . وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه , يصور الأحداث , ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه , فتنكشف المواقف والمشاعر , والنوايا والضمائر . ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور , عارية من كل رداء وستار ; ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ; ويربيها يوما بعد يوم , وحادثا بعد حادث ; ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد . ولم يترك المسلمون لهذا القرآن , يتنزل بالأوامر والنواهي , وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ; إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات , والفتن والامتحانات ; فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة , ولا تنضج نضجا صحيحا , ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية , التي تحفر في القلوب , وتنقش في الأعصاب ; وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث . أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ; وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة , ساخنة بحرارة الابتلاء , قابلة للطرق , مطاوعة للصياغة ! ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ ص ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا , مبلورا في أحداث وكلمات . ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه , وأن سمع الله إليه ; وأن كل كلمة منه وكل حركة , بل كل خاطر وكل نية , قد يصبح مكشوفا للناس , يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ ص ] . وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ; فإذا حزبه أمر , أو واجهته معضلة , انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته , وفتوى في أمره , وقضاء في شأنه . وحين كان الله سبحانه بذاته العلية , يقول:أنت يا فلان بذاتك قلت كذا , وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا . وكن كذا , ولا تكن كذا . . ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين . . هو وكل من على هذه الأرض , وكل ما في هذه الأرض , وكل هذه الأرض . ذرة صغيرة في ملك الله الكبير ! لقد كانت فترة عجيبة حقا , يتملاها الإنسان اليوم , ويتصور حوادثها ومواقفها , وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع , الأضخم من كل خيال ! ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم , وتنضج شخصيتهم المسلمة . بل أخذهم بالتجارب الواقعية , والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ; وكل ذلك لحكمة يعلمها , وهو أعلم بمن خلق , وهو اللطيف الخبير . هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا , ندركها ونتدبرها ; ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير . وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية , وفي تاريخ الجماعة المسلمة ; ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة , وهو غزوة الأحزاب , في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة , ولكل قيمها وتصوراتها . ومن تدبر هذا النص القرآني , وطريقة عرضه للحادث , وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث , والحركات والخوالج , وإبرازه للقيم والسنن . من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن . ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني , نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه , وسرد البشر للوقائع والأحداث . عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة: إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري , وحيي بن أخطب النضري , وكنانة ابن أبي الحقيق النضري , وهوذة بن قيس الوائلي , وأبو عمار الوائلي , في نفر من بني النضير , ونفر من بني وائل , وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ ص ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة , فدعوهم إلى حرب رسول الله [ ص ] وقالوا:إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله . فقالت لهم قريش:يا معشر يهود , إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ? قالوا:بل دينكم خير من دينه , وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم:(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت , ويقولون للذين كفروا:هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا)إلى قوله: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ; فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما . فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا). فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ ص ] واتعدوا له . ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ ص ] , وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه , وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك , فاجتمعوا معهم فيه . فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب , وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة , والحارث بن عوف من بني مرة , ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع . فلما سمع بهم رسول الله [ ص ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ; فعمل فيه رسول الله [ ص ] وعمل معه المسلمون فيه . فدأب فيه ودأبوا . وأبطأ عن رسول الله [ ص ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين , وجعلوا يورون بالضعيف من العمل , ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ ص ] ولا إذن . وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ ص ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له , فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له . فأنزل الله في أولئك المؤمنين . .(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله , وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه . إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم , واستغفر لهم الله , إن الله غفور رحيم). . ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل , ويذهبون بغير إذن من النبي [ ص ]:(لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا . قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا , فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم). . ولما فرغ رسول الله [ ص ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة , في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة . وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد . وخرج رسول الله [ ص ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ; فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم , وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ] . وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم . وكان قد وادع رسول الله [ ص ] عن قومه , وعاقده على ذلك وعاهده . . فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا:لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك . فنقض كعب ابن أسد عهده , وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ ص ] . وعظم عند ذلك البلاء , واشتد الخوف ; وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم , حتى ظن المؤمنون كل ظن , ونجم النفاق من بعض المنافقين , حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف:كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر , وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث:يا رسول الله , إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا , فإنها خارج من المدينة . فأقام رسول الله [ ص ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة , قريبا من شهر . لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار . فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ ص ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة , على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه , فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ; ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح , إلا المراوضة في ذلك . فلما أراد رسول الله [ ص ] أن يفعل , بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما . و استشارهما فيه , فقالا له:يا رسول الله , أمرا تحبه فنصنعه ? أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ? أم شيئا تصنعه لنا ? قال:" بل شيء أصنعه لكم , والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب , فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما " . فقال سعد بن معاذ:يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان , لا نعبد الله ولا نعرفه , وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا . أفحين أكرمنا الله بالإسلام , وهدانا له , وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ? والله ما لنا بهذا من حاجة , والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم . قال رسول الله [ ص ]:" فأنت وذاك " . فتناول سعد بن معاذ الصحيفة , فمحا ما فيها من الكتاب , ثم قال:ليجهدوا علينا . وأقام رسول الله [ ص ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة , لتظاهر عدوهم عليهم , وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم . ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ ص ] فقال:يا رسول الله إني قد أسلمت , وإن قومي لم يعلموا بإسلامي , فمرني بما شئت . فقال رسول الله [ ص ]:" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت , فإن الحرب خدعة " . [ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ] . . . وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد . فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد . . . الخ ] . فلما انتهى إلى رسول الله [ ص ] ما اختلف من أمرهم , وما فرق الله من جماعتهم , دعا حذيفة بن اليمان , فبعثه إليهم لينظر ما فعله القوم ليلا . قال ابن إسحاق:فحدثني زيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان:يا أبا عبد الله . أرأيتم رسول الله [ ص ] وصحبتموه ? قال:نعم يا ابن أخي . قال:فكيف كنتم تصنعون ? قال:والله لقد كنا نجهد . فقال:والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض , ولحملناه على أعناقنا . قال:فقال حذيفة:يا ابن أخي . والله لقد رأيتنا مع رسول الله [ ص ] بالخندق , وصلى رسول الله - هويا من الليل ; ثم التفت إلينا فقال:" من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم , ثم يرجع , يشرط له رسول الله [ ص ] الرجعة . أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة ? " فما قام رجل من القوم من شدة الخوف , وشدة الجوع , وشدة البرد . فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله [ ص ] فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني . فقال:" يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يصنعون , ولا تحدث شيئا حتى تأتينا " قال:فذهبت فدخلت في القوم , والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل , ولا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء . فقام أبو سفيان فقال:يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه . قال حذيفة:فأخذت الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت:من أنت ? قال:فلان ابن فلان ! ثم قال أبو سفيان:يا معشر قريش , إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام . لقد هلك الكراع والخف [ يعني الخيل والجمال ] وأخلفتنا بنو قريظة , وبلغنا عنهم الذي نكره , ولقينا من شدة الريح ما ترون . ما تطمئن لنا قدر , ولا تقوم لنا نار , ولا يستمسك لنا بناء . . فارتحلوا فإني مرتحل . . ثم قام إلى جمله وهو معقول , فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث . فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم . ولولا عهد رسول الله [ ص ] إلي ألا تحدث شيئا حتى تأتيني , ثم شئت لقتلته بسهم . قال حذيفة:فرجعت إلى رسول الله [ ص ] وهو قائم يصلي في مرط [ أي كساء ] لبعض نسائه مرجل [ من وشي اليمن ] فلما رآني أدخلني إلى رجليه , وطرح علي طرف المرط ; ثم ركع وسجد وإني لفيه . فلما سلم أخبرته الخبر . . وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم . إن النص القرآني يغفل أسماء الأشخاص , وأعيان الذوات , ليصور نماذج البشر وأنماط الطباع . ويغفل تفصيلات الحوادث وجزئيات الوقائع , ليصور القيم الثابتة والسنن الباقية . هذه التي لا تنتهي بانتهاء الحادث , ولا تنقطع بذهاب الأشخاص , ولا تنقضي بانقضاء الملابسات , ومن ثم تبقى قاعدة ومثلا لكل جيل ولكل قبيل . ويحفل بربط المواقف والحوادث بقدر الله المسيطر على الأحداث والأشخاص , ويظهر فيها يد الله القادرة وتدبيره اللطيف , ويقف عند كل مرحلة في المعركة للتوجيه والتعقيب والربط بالأصل الكبير . ومع أنه كان يقص القصة على الذين عاشوها , وشهدوا أحداثها , فإنه كان يزيدهم بها خبرا , ويكشف لهم من جوانبها ما لم يدركوه وهم أصحابها وأبطالها ! ويلقي الأضواء على سراديب النفوس ومنحنيات القلوب ومخبآت الضمائر ; ويكشف للنور الأسرار والنوايا والخوالج المستكنة في أعماق الصدور . ذلك إلى جمال التصوير , وقوته , وحرارته , مع التهكم القاصم , والتصوير الساخر للجبن والخوف والنفاق والتواء الطباع ! ومع الجلال الرائع والتصوير الموحي للإيمان والشجاعة والصبر والثقة في نفوس المؤمنين . إن النص القرآني معد للعمل - لا في وسط أولئك الذين عاصروا الحادث وشاهدوه فحسب . ولكن كذلك للعمل في كل وسط بعد ذلك وفي كل تاريخ . معد للعمل في النفس البشرية إطلاقا كلما واجهت مثل ذلك الحادث أو شبهه في الآماد الطويلة , والبيئات المنوعة . بنفس القوة التي عمل بها في الجماعة الأولى . ولا يفهم النصوص القرآنية حق الفهم إلا من يواجه مثل الظروف التي واجهتها أول مرة . هنا تتفتح النصوص عن رصيدها المذخور , وتتفتح القلوب لإدراك مضامينها الكاملة . وهنا تتحول تلك النصوص من كلمات وسطور إلى قوى وطاقات . وتنتفض الأحداث والوقائع المصورة فيها . تنتفض خلائق حية , موحية , دافعة , دافقة , تعمل في واقع الحياة , وتدفع بها إلى حركة حقيقية , في عالم الواقع وعالم الضمير . إن القرآن ليس كتابا للتلاوة ولا للثقافة . . وكفى . . إنما هو رصيد من الحيوية الدافعة ; وإيحاء متجدد في المواقف والحوادث ! ونصوصه مهيأة للعمل في كل لحظة , متى وجد القلب الذي يتعاطف معه ويتجاوب , ووجد الظرف الذي يطلق الطاقة المكنونة في تلك النصوص ذات السر العجيب ! وإن الإنسان ليقرآ النص القرآني مئات المرات ; ثم يقف الموقف , أو يواجه الحادث , فإذا النص القرآني جديد , يوحي إليه بما لم يوح من قبل قط , ويجيب على السؤال الحائر , ويفتي في المشكلة المعقدة , ويكشف الطريق الخافي , ويرسم الاتجاه القاصد , ويفيء بالقلب إلى اليقين الجازم في الأمر الذي يواجهه , وإلى الاطمئنان العميق . وليس ذلك لغير القرآن في قديم ولا حديث . يبدأ السياق القرآني الحديث عن حادث الأحزاب بتذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم أن رد عنهم الجيش الذي هم أن يستأصلهم , لولا عون الله وتدبيره اللطيف . ومن ثم يجمل في الآية الأولى طبيعة ذلك الحادث , وبدءه ونهايته , قبل تفصيله وعرض مواقفه . لتبرز نعمة الله التي يذكرهم بها , ويطلب إليهم أن يتذكروها ; وليظهر أن الله الذي يأمر المؤمنين باتباع وحيه , والتوكل عليه وحده , وعدم طاعة الكافرين والمنافقين , هو الذي يحمي القائمين على دعوته ومنهجه , من عدوان الكافرين والمنافقين: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود , فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها , وكان الله بما تعملون بصيرا). . وهكذا يرسم في هذه البداءة المجملة بدء المعركة وختامها , والعناصر الحاسمة فيها . . مجيء جنود الأعداء . وإرسال ريح الله وجنوده التي لم يرها المؤمنون . ونصر الله المرتبط بعلم الله بهم , وبصره بعملهم . السابق - التالي
|