يوجه البشرَ إلى ربهم - الذي لا رب غيره - ليدعوه في إنابة وخشوع ; وليلتزموا بربوبيته لهم , فيلتزموا حدود عبوديتهم له ; لا يعتدون على سلطانه ; ولا يفسدون في الأرض بترك شرعه إلى هواهم , بعد أن أصلحها الله بمنهجه:(ادعوا ربكم تضرعاً وخفية , إنه لا يحب المعتدين , ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها . وادعوه خوفاً وطمعاً , إن رحمة الله قريب من المحسنين).
إنه التوجيه في أنسب حالة نفسية صالحة , إلى الدعاء والإنابة . . تضرعاً وتذللاً ; وخفية لا صياحاً وتصدية ! فالتضرع الخفي أنسب وأليق بجلال الله وبقرب الصلة بين العبد ومولاه .
أخرج مسلم - بإسناده عن أبي موسى - قال:كنا مع رسول الله [ ص ] في سفر - وفي رواية غزاة - فجعل الناس يجهرون بالتكبير , فقال رسول الله [ ص ]:" أيها الناس أربعوا [ أي ارفقوا وهونوا ] على أنفسكم . إنكم لستم تدعون أصم ولا غائباً . إنكم تدعون سميعاً قريباً . وهو معكم " . .
فهذا الحس الإيماني بجلال الله وقربه معاً , هو الذي يؤكده المنهج القرآني هنا ويقرره في صورته الحركية الواقعية عند الدعاء . ذلك أن الذي يستشعر جلاله فعلاً يستحيي من الصياح في دعائه ; والذي يستشعر قرب الله حقاً لا يجد ما يدعو إلى هذا الصياح !
وفي ظل مشهد التضرع في الدعاء , وهيئة الخشوع والانكسار فيه لله , ينهى عن الاعتداء على سلطان الله , فيما يدعونه لأنفسهم - في الجاهلية - من الحاكمية التي لا تكون إلا لله . كما ينهى عن الفساد في الأرض بالهوى , وقد أصلحها الله بالشريعة . . والنفس التي تتضرع وتخشع خفية للقريب المجيب , لا تعتدي كذلك ولا تفسد في الأرض بعد إصلاحها . . فبين الانفعالين اتصال داخلي وثيق في تكوين النفس والمشاعر . والمنهج القرآني يتبع خلجات القلوب وانفعالات النفوس . وهو منهج من خلق الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير .
(وادعوه خوفاً وطمعاً). .
خوفاً من غضبه وعقابه . وطمعاً في رضوانه وثوابه .
(إن رحمة الله قريب من المحسنين). .
الذين يعبدون الله كأنهم يرونه , فإن لم يكونوا يرونه فهو يراهم . . كما جاء في الوصف النبوي للإحسان .
الدرس الثالث:57 فعل الله في الرياح والأمطار والثمار
ومرة أخرى يفتح السياق للقلب البشري صفحة من صفحات الكون المعروضة للأنظار ; ولكن القلوب تمر بها غافلة بليدة ; لا تسمع نطقها , ولا تستشعر إيقاعها . . إنها صفحة يفتحها على ذكر رحمة الله في الآية السابقة ; نموذجاً لرحمة الله في صورة الماء الهاطل , والزرع النامي , والحياة النابضة بعد الموت والخمود:
(وهو الذي يرسل الرياح , بشراً بين يدي رحمته , حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً سقناه لبلد ميت , فأنزلنا به الماء , فأخرجنا به من كل الثمرات . . كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون). .
إنها آثار الربوبية في الكون . آثار الفاعلية والسلطان والتدبير والتقدير . وكلها من صنع الله ; الذي لا ينبغي أن يكون للناس رب سواه . وهو الخالق الرازق بهذه الأسباب التي ينشئها برحمته للعباد .
وفي كل لحظة تهب ريح . وفي كل وقت تحمل الريح سحاباً . وفي كل فترة ينزل من السحاب ماء .