|
في ظلال القرآن
الكريم
الأعراف من الاية 90 الى الاية 103 وَقَالَ الْمَلأُ الَّذöينَ كَفَرُواْ مöن قَوْمöهö لَئöنö اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إöنَّكُمْ إöذاً لَّخَاسöرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فöي دَارöهöمْ جَاثöمöينَ (91) الَّذöينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فöيهَا الَّذöينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الْخَاسöرöينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمö لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رöسَالاَتö رَبّöي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافöرöينَ (93) وَمَا أَرْسَلْنَا فöي قَرْيَةٍ مّöن نَّبöيٍّ إöلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بöالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيّöئَةö الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهöم بَرَكَاتٍ مّöنَ السَّمَاءö وَالأَرْضö وَلَِكöن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بöمَا كَانُواْ يَكْسöبُونَ (96) أَفَأَمöنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتöيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئöمُونَ (97) أَوَ أَمöنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتöيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمöنُواْ مَكْرَ اللّهö فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهö إöلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسöرُونَ (99) أَوَلَمْ يَهْدö لöلَّذöينَ يَرöثُونَ الأَرْضَ مöن بَعْدö أَهْلöهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بöذُنُوبöهöمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبöهöمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ (100) تöلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مöنْ أَنبَآئöهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بöالْبَيّöنَاتö فَمَا كَانُواْ لöيُؤْمöنُواْ بöمَا كَذَّبُواْ مöن قَبْلُ كَذَلöكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبö الْكَافöرöينَ (101) وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرöهöم مّöنْ عَهْدٍ وَإöن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسöقöينَ (102) ثُمَّ بَعَثْنَا مöن بَعْدöهöم مُّوسَى بöآيَاتöنَا إöلَى فöرْعَوْنَ وَمَلَئöهö فَظَلَمُواْ بöهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقöبَةُ الْمُفْسöدöينَ (103)
(على اللّه توكلنا . ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق . وأنت خير الفاتحين). . وهنا نشهد ذلك المشهد الباهر:مشهد تجلي حقيقة "الألوهية " في نفس ولي اللّه ونبيه . . إنه يعرف مصدر القوة , وملجأ الأمان . ويعلم أن ربه هو الذي يفصل بالحق بين الإيمان والطغيان . ويتوكل على ربه وحده في خوض المعركة المفروضة عليه وعلى المؤمنين معه , والتي ليس منها مفر . إلا بفتح من ربه ونصر . عندئذ يتوجه الملأ الكفار من قومه إلى المؤمنين به يخوفونهم ويهددونهم . ليفتنوهم عن دينهم:(وقال الملأ الذين كفروا من قومه:لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون). . إنها ملامح المعركة التي تتكرر ولا تتغير . . إن الطواغيت يتوجهون أولاً إلى الداعية ليكف عن الدعوة . فإذا استعصم بإيمانه وثقته بربه , واستمسك بأمانة التبليغ وتبعته , ولم يرهبه التخويف بالذي يملكه الطغاة من الوسائل . . تحولوا إلى الذين اتبعوه يفتنونهم عن دينهم بالوعيد والتهديد , ثم بالبطش والعذاب . . إنهم لا يملكون حجة على باطلهم , ولكن يملكون أدوات البطش والإرهاب ; ولا يستطيعون إقناع القلوب بجاهليتهم - وبخاصة تلك التي عرفت الحق فما عادت تستخف بالباطل - ولكنهم يستطيعون البطش بالمصرين على الإيمان , الذي أخلصوا الدينونة للّه فأخلصوا له السلطان . ولكنه من سنة اللّه الجارية أنه عندما يتمحض الحق والباطل , ويقفان وجهاً لوجه في مفاصلة كاملة تجري سنة اللّه التي لا تتخلف . . وهكذا كان . . (فأخذتهم الرجفة , فأصبحوا في دارهم جاثمين). . الرجفة والجثوم , جزاء التهديد والاستطالة , وبسط الأيدي بالأذى والفتنة . . ويرد السياق على قولتهم: (لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون). . وهي التي قالوها مهددين متوعدين للمؤمنين بالخسارة ! فيقرر - في تهكم واضح - أن الخسران لم يكن من نصيب الذين اتبعوا شعيباً , إنما كان من نصيب قوم آخرين: (الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها . الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين). . ففي ومضة ها نحن أولاء نراهم في دارهم جاثمين . لا حياة ولا حراك . كأن لم يعمروا هذه الدار , وكأن لم يكن لهم فيها آثار ! ويطوي صفحتهم مشيعة بالتبكيت والإهمال , والمفارقة والانفصال , من رسولهم الذي كان أخاهم , ثم افترق طريقه عن طريقهم , فافترق مصيره عن مصيرهم , حتى لم يعد يأسى على مصيرهم الأليم , وعلى ضيعتهم في الغابرين: (فتولى عنهم , وقال:يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم , فكيف آسى على قوم كافرين ?). . إنه من ملة وهم من ملة . فهو أمة وهم أمة . أما صلة الأنساب والأقوام , فلا اعتبار لها في هذا الدين , ولا وزن لها في ميزان اللّه . . فالوشيجة الباقية هي وشيجة هذا الدين , والارتباط بين الناس إنما يكون في حبل اللّه المتين . . انتهى الجزء الثامن ويليه الجزء التاسع مبدوءاً بقوله تعالى: (قال الملأ الذين استكبروا) بسم الله الرحمن الرحيم من بقية سورة الأعراف وأول سورة الأنفال الجزء التاسع بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الجزء التاسع هذا الجزء - التاسع - يتألف من شطرين:الشطر الأول هو بقية "سورة الأعراف" - من القرآن المكي - وهو يؤلف ثلاثة أرباع هذا الجزء . . والشطر الثاني هو نصف الحزب الأول من سورة الأنفال - من القرآن المدني - وهو يؤلف الربع الباقي من الجزء . . وسنكتفي هنا بالعرض الإجمالي للشطر الأول . ونرجىء الشطر الثاني إلى موضعه . حيث نقدم - إن شاء الله - سورة الانفال ; وفق المنهج الذي اتبعناه في التعريف بسور القرآن . . مضى في الجزء الثامن - في الشطر الذي استعرضناه هناك من سورة الأعراف - قصص الرسل والرسالات والأقوام بعد آدم عليه السلام . وعرضنا من موكب الإيمان هناك قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب - عليهم السلام - ومصارع المكذبين من أقوامهم ونجاة المؤمنين . فالآن يبدأ هذا الجزء بتكملة لقصة شعيب - عليه السلام - وقد اخترنا أن نضمها إلى نهاية الجزء الثامن تكملة للقصة هناك . . ثم يقف سياق السورة وقفة للتعقيب على ذلك القصص - وفق منهج السورة - فيكشف في هذا التعقيب عن خطوات قدر الله بالمكذبين . . كيف يأخذهم بالبأساء والضراء لعل قلوبهم تصحو وترق , وتلجأ إلى الله وتتضرع إليه , فإذا لم تستيقظ هذه القلوب ولم تتفتح ولم تنتفع بالابتلاء , أخذهم الله بالسراء - وهي أشد في الابتلاء - حتى يزدادوا عن قدر الله غفلة , ويظنوا الحياة لهواً ولعباً . وعندئذ يأخذهم الله بغتة على حين غفلة:(وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون . ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عَفوا , وقالوا:قد مس آباءنا الضراء والسراء ! فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون). . وهنا يكشف السياق كذلك عن العلاقة بين القيم الإيمانية وسنن الله في أخذ الناس , حيث لا انفصال في خطوات قدر الله بين هذه السنن وتلك القيم . هذه العلاقة التي تخفى على الغافلين , لأن آثارها قد لا تبدو في المدى القريب ; ولكنها لا بد واقعة في المدى الطويل: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ; ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون). . ويعقب الكشف عن خطوات قدر الله بالمكذبين ; وسنته وعلاقتها بالقيم الإيمانية في حياة البشر ; لمسات من التهديد تهز القلوب ; ولفتات إلى مصارع المكذبين توقظ الغافلين: (أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون . أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ? أفأمنوا مكر الله ? فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) (أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لونشاء أصبناهم بذنوبهم , ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون). . وينتهي هذا التعقيب بلفتة إلى رسول الله [ ص ] عن هذا القصص ; وتلخيص لأمر الأقوام التي كذبت من قبل ; ووصف لحقيقة حالهم ونسيانهم لعهد الله معهم على الاعتراف بألوهيته ووحدانيته ; وعدم جدوى الآيات والبينات والخوارق التي جاءهم بها رسلهم , بسبب تعطل فطرتهم وغفلة قلوبهم:(تلك القرى نقص عليك من أنبائها . ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات , فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل . كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين . وما وجدنا لأكثرهم من عهد , وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين). . تقديم قصة موسى مع فرعون وبني إسرائيل وبعد هذه الوقفة للتعقيب على مصارع قوم نوح , وقوم هود , وقوم صالح , وقوم لوط , وقوم شعيب . . تجيء قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه أولاً ; ثم مع قومه بني إسرائيل أخيراً . . وتشغل قصة موسى في هذه السورة أوسع مساحة وأكبر قدر شغلته في سورة واحدة من سور القرآن كلها . . وقد وردت حلقات من قصة بني إسرائيل في مواضع كثيرة ; وذلك عدا الإشارات القصيرة إليها في مواضع من القرآن أخرى . . وكانت أكثر القصص وروداً في القرآن كله . . ولعل ذلك التفصيل في قصة هذه الأمة كان للحكمة التي أشرنا إليها من قبل - في هذه الظلال - في الجزء السادس في صفحتي 868 - 869 على النحو التالي: "من جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أول من واجه الدعوة الإسلامية بالعداء والكيد والحرب في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها . فقد كانوا حرباً على الجماعة المسلمة منذ اليوم الأول . هم الذين احتضنوا النفاق والمنافقين في المدينة ; وأمدوهم بوسائل الكيد للعقيدة وللمسلمين معا . وهم الذين حرضوا المشركين وواعدوهم وتآمروا معهم على الجماعة المسلمة . وهم الذين تولوا حرب الإشاعات والدس والكيد في الصف المسلم ; كما تولوا بث الشبهات والشكوك والتحريفات حول العقيدة وحول القيادة . وذلك كله قبل أن يسفروا بوجوههم في الحرب المعلنة الصريحة . . فلم يكن بد من كشفهم للجماعة المسلمة , لتعرف من هم أعداؤها:ماطبيعتهم ? وما تاريخهم ? وما وسائلهم ? وما حقيقة المعركة التي تخوضها معهم ? "ولقد علم الله أنهم سيكونون أعداء هذه الأمة في تاريخها كله ; كما كانوا أعداء هدى الله في ماضيهم كله . فعرض لهذه الأمة أمرهم كله مكشوفاً ; ووسائلهم كلها مكشوفة . "ومن جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أصحاب آخر دين قبل دين الله الأخير . وقد امتد تاريخهم قبل الإسلام فترة طويلة ; ووقعت الانحرافات في عقيدتهم , ووقع منهم النقض المتكرر لميثاق الله معهم ; ووقع في حياتهم آثار هذا النقض وهذا الانحراف , كما وقع في أخلاقهم وتقاليدهم . . فاقتضى هذا أن تلم الأمة المسلمة - وهي وارثة الرسالات كلها وحاضنة العقيدة الربانية بجملتها - بتاريخ القوم , وتقلبات هذا التاريخ ; وتعرف مزالق الطريق وعواقبها , ممثلة في حياة بني إسرائيل وأخلاقهم , لتضم هذه التجربة - في حقل العقيدة والحياة - إلى حصيلة تجاربها ; وتنتفع بهذا الرصيد وتنفع على مدار القرون . ولتتقي - بصفة خاصة - مزالق الطريق , ومداخل الشيطان , وبوادر الانحراف , على هدى التجارب الأولى . "ومن جوانب هذه الحكمة أن تجربة بني إسرائيل ذات صحائف شتى في المدى الطويل . وقد علم الله أن الأمد حين يطول على الأمم تقسو قلوبها , وتنحرف أجيال منها ; وأن الأمة المسلمة التي سيمتد تاريخها حتى تقوم الساعة , ستصادفها فترات تمثل فترات من حياة بني إسرائيل ; فجعل أمام أئمة هذه الأمة وقادتها ومجددي الدعوة في أجيالها الكثيرة , نماذج من العقابيل التي تلم بالأمم ; يعرفون منها كيف يعالجون الداء بعد معرفة طبيعته . ذلك أن أشد القلوب استعصاء على الهدى والاستقامة هي القلوب التي عرفت ثم انحرفت ! فالقلوب الغفل الخامة أقرب إلى الاستجابة , لأنها تفاجأ من الدعوة بجديد يهزها , وينفض عنها الركام , لجدته عليها , وانبهارها بهذا الجديد الذي يطرق فطرتها لأول مرة . فأما القلوب التي نوديت من قبل , فالنداء الثاني لا تكون له جدته . ولا تكون له هزته ; ولا يقع فيها الإحساس بضخامته وجديته ; ومن ثم تحتاج إلى الجهد المضاعف , وإلى الصبر الطويل ! " . . . . . الخ وقد وردت حلقات من قصة موسى - عليه السلام - وبني إسرائيل من قبل في هذه الظلال - المرتبة وفق ترتيب السور في المصحف لا وفق ترتيب النزول - في سورة البقرة , وسورة آل عمران , وسورة النساء , وسورة المائدة , وسورة الأنعام . . ولكن إذا اعتبرنا ترتيب النزول , فإن هذه الحلقات الواردة منها هنا في سورة الأعراف المكية تكون سابقة على ما ورد منها في السور المدنية . وذلك ظاهر من طبيعة عرضها هنا وطبيعة عرضها هناك . فهي هنا تعرض على طريقة الحكاية والقصص . وهناك تعرض على سبيل مواجهة بني إسرائيل بها , وتذكيرهم بأحداثها ووقائعها ومواقفهم فيها . ولقد وردت القصة في أكثر من ثلاثين موضعاً في القرآن كله - مكية ومدنيه - ولكن ورودها مفصلة اقتصر على عشرة مواضع في عشر سور منها ستة مواضع هي أكثرها تفصيلاً . والذي ورد منها في سورة الأعراف كان أول تفصيل . . كما أنه هو أوسع مساحة . وإن تكن الحلقات التي وردت في هذه المساحة أقل مما ورد منها في سورة طه . وهي تبدأ هنا من حلقة مواجهة فرعون وملئه بالرسالة . بينما تبدأ في سورة طه من حلقة النداء لموسى - عليه السلام - في جانب الطور . وتبدأ في سورة القصص من حلقة مولد موسى في فترة اضطهاد بني إسرائيل . . ويبدأ عرضها - متناسقاً مع جو السورة وأهدافها على طريقة القرآن في سياقة القصص كله - بالتوجيه إلى عاقبة تكذيب فرعون وملئه . وذلك منذ اللحظة الأولى في عرضها:(ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه , فظلموا بها . فانظر كيف كان عاقبة المفسدين). ثم تمضي حلقات القصة ومشاهدها . . أولاً . . في مواجهة فرعون وملئه . . وأخيراُ في مواجهة بني إسرائيل , والتوائهم وزيغهم وانحرافهم ! ولما كنا سنستعرض القصة - فيما بعد - بالتفصيل . فإننا نكتفي هنا بالوقوف أمام معالمها البارزة وموحياتها الكلية: إن موسى - عليه السلام - يواجه فرعون وملأه بأنه رسول من رب العالمين: وقال موسى:يا فرعون إني رسول من رب العالمين . حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل . . كذلك حين تقع المباراة بينه وبين سحرة فرعون فيغلبون ويؤمنون , فإنهم يؤمنون برب العالمي (وألقي السحرة ساجدين . قالوا:آمنا برب العالمين . رب موسى وهارون . . وحين يهددهم فرعون بالعذاب الرعيب:فإنهم يتجهون إلى ربهم , ويعلنون أنهم عائدون إليه في حياتهم ومماتهم وبعثهم وفي أمرهم كله : قالوا:إنا إلى ربنا منقلبون . تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا , ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين . . ثم إن موسى - عليه السلام - وهو يعلم قومه في مواضع كثيرة يعرفهم بربهم الحق . . فعندما أعلن فرعون أنه سيعيد اضطهاد بني إسرائيل بقتل ذكورهم واستحياء إناثهم قال(موسى لقومه استعينوا باللّه واصبروا , إن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين). . . (قالوا:أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا . قال:عسى ربكم أن يهلك عدوكم , ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون). . وعندما جاوز بهم البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم وطلبوا إلى موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهؤلاء القوم آلهة ! (قال:إنكم قوم تجهلون . إن هؤلاء مُتَبَّرñ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون . قال:أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين ?). . فهذه النصوص القرآنية في القصة تثبت حقيقة الدين الذي جاء به موسى عليه السلام ; وحقيقة التصور الاعتقادي الذي تنشئه هذه الحقيقة . . وهو التصور الصحيح الذي جاء به الإسلام ; وتضمنه دين الله في جميع الرسالات . كما أنها تثبت زيف النظريات والتكهنات التي يدلي بها الباحثون في تاريخ الأديان من الغربيين ومن يأخذ بمنهجهم وتقريراتهم ممن يكتبون عن تطور العقيدة ! كذلك تثبت هذه النصوص ألوان الانحراف التي صاحبت تاريخ بني إسرائيل وجبلتهم الملتوية - حتى بعد بعثة موسى عليه السلام . ذلك من مثل قولهم: (يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة). . ومثل اتخاذهم العجل في غيبة موسى على الجبل لميقاته مع ربه ! ومثل طلبهم رؤية الله جهرة وإلا فإنهم لا يؤمنون ! ولكن هذه الانحرافات لا تمثل حقيقة العقيدة التي جاء بها موسى من ربه . إنما هي انحرافات عن هذه العقيدة . فكيف تحسب الانحرافات إذن على العقيدة ذاتها ? ويقال:إنها "تطورت" إلى التوحيد ?! كذلك تكشف مواجهة موسى لفرعون وملئه عن حقيقة المعركة بين دين الله كله وبين الجاهلية كلها . وتبين كيف ينظر الطاغوت إلى هذا الدين ; وكيف يحس فيه الخطر على وجوده ; كما تبين كيف يدرك المؤمنون حقيقة المعركة بينهم وبين الطاغوت ! إنه بمجرد أن قال موسى عليه السلام لفرعون: يا فرعون إني رسول من رب العالمين . حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق , . . . قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل . . تبين مدلول هذه الدعوة إلى (رب العالمين). . إنه رد السلطان كله إلى الله برد عبودية العالمين كلها إلى رب العالمين ! وبناء على هذا المدلول طلب موسى إطلاق سراح بني إسرائيل . فإنه إذ كان الله رب العالمين , فما يكون لعبد من عبيده - وهو فرعون المتجبر الطاغي - أن يعبدهم لنفسه . فهم ليسوا عبيداً إلا لرب العالمين . . إن رد الربوبية كلها لله سبحانه معناه رد الحاكمية كلها له . فالحاكمية هي مظهر ربوبية الله للناس - وهم من العالمين - وهي تتجلى في العالمين كذلك بخضوعهم لله وحده . فلا يكون الناس معترفين بربوبية الله لهم إلا إذا خضعوا له وحده ; والا إذا خلصت عبوديتهم لهذه الربوبية . . أو بتعبير آخر لهذه الحاكمية . . وإلا فقد أنكروا ربوبية الله لهم متى خضعوا لحاكمية أحد غيره . لا يحكمهم بشرعه . ولقد أدرك فرعون وملؤه خطر الدعوة إلى (رب العالمين). وأحسوا أن توحيد الربوبية معناه سلب سلطان فرعون - وسلطانهم المستمد منه - فعبروا عن هذا الخطر بأن موسى يريد أن يخرجهم من أرضهم:(قال الملأ من قوم فرعون:إنّ هذا لساحر عليم . يريد أن يخرجكم من أرضكم . فماذا تأمرون ?). . (وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ?). . وما أرادوا إلا أن هذه الدعوة إلى رب العالمين لا تحمل إلا مدلولاً واحداً هو انتزاع السلطان من يد العبيد - الطواغيت - ورده إلى صاحبه - سبحانه - وهذا معناه - من وجهة نظرهم - الإفساد في الأرض ! أو كما يقال اليوم في قوانين الجاهلية لمثل هذه الدعوة بذاتها:إنها محاولة لقلب نظام الحكم ! ومن وجهة نظر الطواغيت الجاهلية التي تغتصب سلطان الله - أي تغتصب ربوبيته وتزاول اختصاصاتها ولو لم تقل هذا باللسان - يكون هذا "قلباً" لنظام الحكم . لأن نظام الحكم في الجاهليات يقوم على ربوبية عبد من العبيد لبقية العبيد . بينما الدعوة إلى رب العالمين تعني أن تكون الربوبية على العبيد لخالق العبيد ! وكذلك قال فرعون للسحرة الذين بهرهم الحق فآمنوا برب العالمين ; وخلعوا ربقة العبودية له بهذا الإعلان:إنهم يمكرون لإخراج أهل المدينة من مدينتهم . وهددهم بأبشع العذاب والنكال: قال فرعون:آمنتم به قبل أن آذن لكم ! إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون . لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف , ثم لأصلبنكم أجمعين . . ومن الجانب الآخر كان هؤلاء السحرة الذين آمنوا برب العالمين ; وأسلموا لله وحده ; وأعلنوا الخروج من العبودية الزائفة للطاغوت المغتصب للربوبية واختصاصاتها . . كانوا يعلمون حقيقة المعركة بينهم وبين الطاغوت . إنها المعركة على العقيدة . لأن هذه العقيدة تهدد سلطان الطواغيت بمجرد إعلان أصحابها أن عبوديتهم خالصة لرب العالمين . بل بمجرد إعلان أن الله رب العالمين ! ومن ثم قالوا لفرعون رداُ على اتهامه لهم بأن هذا مكر مكروه في المدينة ليخرجوا منها أهلها - وهو مرادف للاتهام في الجاهليات الحديثة لكل من يعلن ربوبية الله للعالمين بمعناها الجاد بأنه يعمل على قلب نظام الحكم ! -: (وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا). . ثم لجأوا إلى ربهم الذي آمنوا به فتمردوا على العبودية لغيره قائلين: (ربنا أفرغ علينا صبراُ وتوفنا مسلمين). . فكان هذا فرقاناُ جعله الله في قلوبهم حين استقرت حقيقة الإسلام لله فيها . ومن خلال عرض الآيات التي جاء بها موسى لفرعون وملئه ; وما أخذهم الله به من السنين ونقص الثمرات , وما أرسله عليهم من الآفات . ومواجهتهم لهذا كله بالعناد والمراوغة والإصرار في النهاية على ما هم فيه حتى أهلكهم الله كما يقول تعالى: ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون . فإذا جاءتهم الحسنة قالوا:لنا هذه , وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه - ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون - وقالوا:مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين . فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم , آيات مفصلات , فاستكبروا وكانوا قوماُ مجرمين . ولما وقع عليهم الرجز قالوا:يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك . لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك , ولنرسلن معك بني إسرائيل . فلما كشفنا عنهم الرجز - إلى أجل هم بالغوه - إذا هم ينكثون . فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين . . من خلال عرض هذا كله يتبين مدى إصرار الطاغوت على الباطل في وجه الحق . ومدى مقاومته للدعوة إلى (رب العالمين). . ذلك أنه يعلم علم اليقين أن هذه الدعوة بذاتها هي حرب عليه , بإنكار شرعية قيامه من أساسه ! وما يمكن أن يسمح الطاغوت بإعلان أن لا إله إلا الله . أو أن الله هو رب العالمين . إلا حين تفقد هذه الكلمات مدلولها الحقيقي , وتصبح مجرد كلمات لا مدلول لها . . وهي في مثل هذه الحالة لا تؤذيه ! لأنها لا تعنيه ! فأما حين تأخذ عصبة من الناس هذه الكلمات جداً بمدلولها الحقيقي , فإن الطاغوت الذي يزاول الربوبية - بمزاولته للحاكمية بغير شرع الله , وتعبيد الناس له بهذه الحاكمية وعدم إرسالهم لله - لا يطيق هذه العصبة . كما لم يطق فرعون دعوة موسى إلى رب العالمين , وإعلان السحرة المؤمنين أنهم آمنوا برب العالمين . وكما ظل هو والملأ من قومه مصرين على رد هذه الدعوة , والآيات تتوالى عليهم , والنكبات كذلك تتوالى عليهم من الجدب والآفات والجوع والبلاء . . ولكن هذا كله كان عندهم أيسر وأهون من التسليم بربوبية الله للعالمين . لما تحويه من مدلول صريح بعزلهم هم عن مزاولة هذا السلطان المغتصب , الذي يعبدون به الناس لغير رب العالمين ! كذلك تتجلى من خلال عرض هذه الآيات خطوات قدر الله بالمكذبين . . من أخذهم بالبأساء والضراء . ثم أخذهم بالرخاء والسراء . ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر في نهاية المطاف ! والتمكين للمؤمنين الذين كانوا يستضعفون:(وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها , وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا , ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه , وما كانوا يعرشون). . ولكن بني إسرائيل غلبت عليهم جبلتهم الملتوية الخبيثة . ففسقوا عن أمر الله - كما يجلو السياق القرآني ذلك - وراوغوا موسى نبيهم وزعيمهم ومنقذهم مراوغة مؤذية ; وعصوا وبطروا النعمة ولم يستقيموا ولم يشكروا ; وتكرر منهم ذلك كله بعد مغفرة الله لهم وقبولهم مرة بعد مرة , إلى أن حقت عليهم كلمة الله في النهاية:(وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب . إن ربك لسريع العقاب , وإنه لغفور رحيم). . ولقد صدق وعيد الله . . ولا بد أن يصدق في مقبل الأيام . . وإنما هي دورات لهم في التاريخ . حتى إذا عتوا وأفسدوا وتجبروا واشتد أذاهم , بعث الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة ! وأخيراً فإن هذه السورة مكية . وقد ورد فيها عن التواء بني إسرائيل ومعصيتهم وسوء جبلتهم الكثير . . بينما يزعم المستشرقون - اليهود والصليبيون سواء - أن محمداً [ ص ] لم يهاجم اليهود - بزعمهم - بهذا القرآن إلا بعد أن يئس في المدينة من استجابتهم له . وأنه كان يحاسنهم في مكة , وفي أول عهده بالمدينة . فيقول - بزعمهم - قرآناً لا يهاجمهم فيه ; إنما يحدثهم عن التقاء العرب بهم في النسب إلى جدهم إبراهيم ! طمعاً في إسلامهم له ! فلما يئس منهم هاجمهم هذا الهجوم . . وكذبوا . فهذه سورة مكية تصف الحق في شأنهم , لا فرق بين ما جاء فيها وما جاء في سورة البقرة المدنية في هذا الحق الذي لا يتبدل . . وإذا نحن تجاوزنا عن الآيات من 163 إلى 170 في هذه السورة بوصفها مدنية , وهي التي ورد فيها تأذن الله - سبحانه - بأن يرسل عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة , فإن الآيات التي قبلها والتي بعدها والتي لا شك في أنها مكية تضمنت الحق في جبلة بني إسرائيل . وفيها ذكر عبادتهم للعجل . . وطلبهم من موسى أن يجعل لهم إلهاً صنماً بينما هم خارجون من مصر باسم الله الواحد ! وأخذ الرجفة لهم لأنهم أبوا الإيمان إلا أن يروا الله جهرة . وتبديلهم قول الله لهم وهم يدخلون القرية . . الخ مما يدمغ أولئك الزاعمين من المستشرقين بالافتراء على التاريخ بعد الافتراء على الله ورسوله . . وهؤلاء هم الذين يتخذهم بعض من يكتبون عن الإسلام أساتذة لهم فيما يكتبون ! وحسبنا هذه المعالم في القصة حتى نواجه نصوصها بالتفصيل . تعريف بباقي موضوعات الأعراف وإذا كانت القصة بطولها مسوقة في هذه السورة - في استعراض موكب الإيمان - لتدل على خطوات قدر الله مع المكذبين , ولتصور العلاقة بين القيم الإيمانية وسنة الله في الحياة البشرية , فإنها مسوقة كذلك لبيان طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر ; ممثلتين في شخوص القصة وأطرافها . وقد ختمت بمشهد أخذ الميثاق على بني إسرائيل , تحت المعاينة الكاملة لبأس الله الشديد: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة , وظنوا أنه واقع بهم , خذوا ما آتيناكم بقوة , واذكروا ما فيه لعلكم تتقون). . لذلك أعقب هذا المشهد مشهد أخذ الميثاق على فطرة البشر كافة:(وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم , وأشهدهم على أنفسهم:ألست بربكم ? قالوا:بلى ! شهدنا . . أن تقولوا يوم القيامة:إنا كنا عن هذا غافلين . أو تقولوا:إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم , أفتهلكنا بما فعل المبطلون ?). . وأعقب هذا المشهد مشهد الذي ينسلخ من هذا العهد , كما ينسلخ من العلم بآيات الله بعد إذ أراه إياها . . وهو مشهد مثير . . وفيه لمسات قوية للتنفير من هذا الانسلاخ , والتحذير من مآله المنظور:(واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا , فانسلخ منها , فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين . ولو شئنا لرفعناه بها , ولكنه أخلد إلى الأرض , واتبع هواه . فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث . ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا . فاقصص القصص لعلهم يتفكرون . ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا , وأنفسهم كانوا يظلمون). . ثم بيان لطبيعة الهدى وطبيعة الكفر . يكشف عن أن الكفر تعطلñ في أجهزة الفطرة يحول دون تلقي هدى الله , وينتهي بالخسارة المطلقة:(من يهد الله فهو المهتدي , ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون . ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس , لهم قلوب لا يفقهون بها , ولهم أعين لا يبصرون بها , ولهم آذان لا يسمعون بها . أولئك كالأنعام بل هم أضل . أولئك هم الغافلون). . تعقب هذا البيان لفتة إلى المشركين الذين كانوا يواجهون دعوة الإسلام في مكة بالتكذيب , ويلحدون في أسماء الله فيشتقون منها أسماء الآلهة المفتراة . وتهديد لهم باستدراج الله . ودعوة لهم كذلك أن يتفكروا تفكراً عميقاً بعيداً عن الهوى في أمر صاحبهم الذي يدعوهم إلى الهدى [ ص ] فينبزونه بأن به جنة ! وإلى أن ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما في صفحات الوجود من موحيات الهدى ; ولمسة لهم بالموت الذي يترقبهم وهم عنه غافلون: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها , وذروا الذين يلحدون في أسمائه . سيجزون ما كانوا يعملون . وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون . والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون . . وأملي لهم إن كيدي متين . . أولم يتفكروا ? ما بصاحبهم من جنة . إن هو إلا نذير مبين . أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض , وما خلق الله من شيء , وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ? فبأي حديث بعده يؤمنون ? من يضلل الله فلا هادي له , ويذرهم في طغيانهم يعمهون . . ومواجهة كذلك لهؤلاء المشركين في تكذيبهم بالساعة , وسؤالهم عن موعدها . . مواجهة بضخامة هذا الشأن الذي يسألون عنه مستهينين , وهول هذا الأمر الذي يتناولونه مستخفين . وجلاء كذلك لطبيعة الرسالة وحقيقة الرسول ; وتقرير لحقيقة الألوهية وتفرد الله سبحانه بكل خصائصها . ومنها علم الغيب ; وتجلية الساعة ;(يسألونك عن الساعة أيان مرساها ? قل:إنما علمها عند ربي , لا يجليها لوقتها إلا هو , ثقلت في السماوات والأرض , لا تأتيكم إلا بغتة . يسألونك كأنك حفيّñ عنها ! قل:إنما علمها عند الله , ولكن أكثر الناس لا يعلمون . قل:لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً - إلا ما شاء الله - ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء . إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون). . وفي سياق مواجهة المشركين يجيء بيان عن طبيعة الشرك وقصة الانحراف عن عهد الفطرة بتوحيد الله , وكيف يقع في النفس هذا الانحراف . . وكأنما هو تصوير لانحراف جيل المشركين بعد أن كان أسلافهم الأولون على دين إبراهيم الحنيف: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة , وجعل منها زوجها ليسكن إليها , فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به . فلما أثقلت دعوا الله ربهما:لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين . فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما . فتعالى الله عما يشركون . أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ? ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون ?). . إنه تمثيل للأجيال المتلاحقة بصورة الحالات المتتابعة في النفس الواحدة . . وهو تصوير ذو دلالات عجيبة في صدقها وفي جمالها جميعاً . . ولأن المقصود هو تمثيل حالة المشركين الذين كان هذا القرآن يواجههم فإن السياق ينتقل مباشرة من المثل إلى مخاطبتهم مواجهة , ويوجه الرسول [ ص ] إلى تحديهم هم وآلهتهم: وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم , سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون . إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم , فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين . ألهم أرجل يمشون بها ? أم لهم أيد يبطشون بها ? أم لهم أعين يبصرون بها ? أم لهم آذان يسمعون بها ? قل:ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون . إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين . والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون . وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا . وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون . . وفي نهاية السورة يتجه الخطاب إلى رسول الله [ ص ] وإلى الأمة المسلمة . يوجهه إلى اليسر في أخذ الناس في هذه الدعوة ; ونهنهة النفس عن الغضب مما يبدر منهم من تقاعس واعتراض ; والاستعاذة من الشيطان الذي يثير الغضب ويحنق الصدر: خذ العفو . وأمر بالعرف ; وأعرض عن الجاهلين . وإما ينزعنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله , إنه سميع عليم . إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون . وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون . وإذا لم تأتهم بآية قالوا:لولا اجتبيتها ! قل:إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي , هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون . . وهذا التوجيه يذكرنا بما ورد في مطلع السورة:(كتاب أنزل إليك , فلا يكن في صدرك حرج منه , لتنذر به وذكرى للمؤمنين). . فهو يشي بثقل هذا العبء - عبء دعوة الناس , ومواجهة ما في نفوسهم من رواسب وركام وعقابيل , والتواءات وأغراض وشهوات , وغفلة وثقلة وتقاعس . . وضرورة الصبر . . وضرورة اليسر . . وضرورة السير أيضاً في الطريق ! ثم توجيه إلى الزاد المعين على مشاق الطريق . . الاستماع والإنصات إلى القرآن . . وذكر الله في كل آن وفي كل حال . والحذر من الغفلة . والاقتداء بالمقربين من الملائكة في الذكر والعبادة: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون . واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة , ودون الجهر من القول بالغدو والآصال , ولا تكن من الغافلين . إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون . . إنه زاد الطريق . وأدب العبادة . ومنهج المقربين الموصولين . . وحسبنا هذه الإشارات المجملة لنواجه النصوص بالتفصيل . .
السابق - التالي
|