فاستحضر في قلبه جلاله:(فصلى). . إما بمعنى خشع وقنت . وإما بمعنى الصلاة الاصطلاحي , فكلاهما يمكن أن ينشأ من التذكر واستحضار جلال الله في القلب , والشعور بمهابته في الضمير . . هذا الذي تطهر وذكر وصلى (قد أفلح)يقينا . أفلح في دنياه , فعاش موصولا , حي القلب , شاعرا بحلاوة الذكر وإيناسه . وأفلح في أخراه , فنجا من النار الكبرى , وفاز بالنعيم والرضى . . فأين عاقبة من عاقبة ? وأين مصير من مصير ?
الدرس الرابع:16 - 17 ذم طالبي الدنيا مع أن الآخرة خير وأبقى
وفي ظل هذا المشهد . مشهد النار الكبرى للأشقى . والنجاة والفلاح لمن تزكى , يعود بالمخاطبين إلى علة شقائهم , ومنشأ غفلتهم , وما يصرفهم عن التذكر والتطهر والنجاة والفلاح , ويذهب بهم إلى النار الكبرى والشقوة العظمى:
(بل تؤثرون الحياة الدنيا . والآخرة خير وأبقى). .
إن إيثار الحياة الدنيا هو أساس كل بلوى . فعن هذا الإيثار ينشأ الإعراض عن الذكرى ; لأنها تقتضيهم أن يحسبوا حساب الآخرة ويؤثروها . وهم يريدون الدنيا , ويؤثرونها . .
وتسميتها(الدنيا)لا تجيء مصادفة . فهي الواطية الهابطة - إلى جانب أنها الدانية:العاجلة:(والآخرة خير وأبقى). . خير في نوعها , وأبقى في أمدها .
وفي ظل هذه الحقيقة يبدو إيثار الدنيا على الآخرة حماقة وسوء تقدير . لا يقدم عليهما عاقل بصير .
الدرس الخامس:18 - 19 عراقة الدعوة ووحدة الرسالة
وفي الختام تجيء الإشارة إلى قدم هذه الدعوة , وعراقة منبتها , وامتداد جذورها في شعاب الزمن , وتوحد أصولها من وراء الزمان والمكان:
(إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى). .
هذا الذي ورد في هذه السورة وهو يتضمن أصول العقيدة الكبرى . هذا الحق الأصيل العريق . هو الذي في الصحف الأولى . صحف إبراهيم وموسى .
ووحدة الحق , ووحدة العقيدة , هي الأمر الذي تقتضيه وحدة الجهة التي صدر عنها , ووحدة المشيئة التي اقتضت بعثة الرسل إلى البشر . . إنه حق واحد , يرجع إلى أصل واحد . تختلف جزئياته وتفصيلاته باختلاف الحاجات المتجددة , والأطوار المتعاقبة . ولكنها تلتقي عند ذلك الأصل الواحد . الصادر من مصدر واحد . . من ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى . .