وهو وحده يعلم متى يأخذكم بعذابه في الدنيا أو في الآخرة سواء . وهو يعلم سركم وجهركم , فما يخفى عليه منكم خافية:
(إنه يعلم الجهر من القول , ويعلم ما تكتمون). .
فأمركم كله مكشوف له , وحين يعذبكم يعذبكم بما يعلم من أمركم ظاهره وخافيه . وإذا أخر عنكم العذاب فحكمة تأخيره عند الله:
(وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين). .
وما أدري ما يريد الله بهذا التأخير . فلعله يريد أن يكون فتنة لكم وابتلاء , فيمتعكم إلى أجل , ثم يأخذكم أخذ عزيز مقتدر .
وبهذا التجهيل يلمس قلوبهم لمسة قوية , ويدعهم يتوقعون كل احتمال , ويتوجسون خيفة من المفاجأة التي تأخذهم بغتة . وتوقظ قلوبهم من غفلة المتاع فلعل وراءه الفتنة والبلاء . وتوقع العذاب على غير موعد مضروب كفيل بأن يترك النفس متوجسة , والأعصاب متوفزة , ترتقب في كل لحظة أن يرفع الستار المسدل , عن الغيب المخبوء .
وإن القلب البشري ليغفل عما ينتظره من غيب الله , وإن المتاع ليخدع , فينسى الإنسان أن وراء الستار المسدل ما وراءه مما لا يدريه ولا يكشف عنه إلا الله في موعده المغيب المجهول .
فهذا الإنذار يرد القلوب إلى اليقظة , ويعذر إليها بين يدي الله قبل فوات الأوان .
الدرس السادس:112 الحكم والفصل بيد الله والإستعانة به
وهنا يتوجه الرسول [ ص ] إلى ربه . وقد أدى الأمانة , وبلغ الرسالة . وآذنهم على سواء , وحذرهم بغتة البلاء . . يتوجه إلى ربه الرحمن يطلب حكمه الحق بينه وبين المستهزئين الغافلين , ويستعينه على كيدهم وتكذيبهم . وهو وحده المستعان:
(قال:رب احكم بالحق , وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون). .
وصفة الرحمة الكبيرة هنا ذات مدلول . فهو الذي أرسله رحمة للعالمين , فكذب به المكذبون واستهزأ به المستهزئون . وهو الكفيل بأن يرحم رسوله ويعينه على ما يصفون .
وبهذا المقطع القوي تختم السورة كما بدأت بذلك المطلع القوي . فيتقابل طرفاها في إيقاع نافذ قوي مثير عميق .