يلجأون في مقاومة تأثيره الطاغي إلى التعلات , يقولون:إن محمدا بشر . فكيف تؤمنون لبشر مثلكم ? وإن ما جاء به السحر . فكيف تجيئون للسحر وتنقادون له وفيكم عيون وأنتم تبصرون ?! عند ذلك وكل الرسول [ ص ] أمرهم وأمره إلى ربه , وقد أخبره الله بنجواهم التي أداروها بينهم خفية ; وأطلعه على كيدهم الذي يتقون به القرآن وأثره !
(قال:ربي يعلم القول في السماء والأرض , وهو السميع العليم).
فما من نجوى في مكان على الأرض إلا وهو مطلع عليها - وهو الذي يعلم القول في السماء والأرض . . . وما من مؤامرة يحدثونها إلا وهو كاشفها ومطلع رسوله عليها - وهو السميع العليم .
ولقد حاروا كيف يصفون هذا القرآن وكيف يتقونه . فقالوا:إنه سحر . وقالوا:إنه أحلام مختلطة يراها محمد ويرويها . وقالوا:إنه شعر . وقالوا:إنه افتراه وزعم إنه وحي من عند الله:
(بل قالوا:أضغاث أحلام , بل افتراه , بل هو شاعر). .
ولم يثبتوا على صفة له , ولا على رأي يرونه فيه , لأنهم إنما يتمحلون ويحاولون أن يعللوا أثره المزلزل في نفوسهم بشتى التعلات فلا يستطيعون ; فينتقلون من ادعاء إلى ادعاء , ومن تعليل إلى تعليل , حائرين غير مستقرين . . ثم يخلصون من الحرج بأن يطلبوا بدل القرآن خارقة من الخوارق التي جاء بها الأولون:
(فليأتنا بآية كما أرسل الأولون). .
ولقد جاءت الخوارق من قبل , فلم يؤمن بها من جاءتهم , فحل بهم الهلاك , وفقا لسنة الله التي لا تتخلف في إهلاك من يكذبون بالخوارق:
(ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها). .
ذلك أن من يبلغ به العناد ألا يؤمن بالخارقة المادية المحسوسة , لا يبقى له عذر , ولا يرجى له صلاح . فيحق عليه الهلاك .
ولقد تكررت الآيات , وتكرر التكذيب بها , وتكرر كذلك إهلاك المكذبين . . فما بال هؤلاء سيؤمنون بالخارقة لو جاءتهم ; وهم ليسوا سوى بشر كهؤلاء الهالكين !
(أفهم يؤمنون). .
(وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم , فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون . وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام , وما كانوا خالدين). .
فقد اقتضت حكمة الله أن يكون الرسل من البشر , يتلقون الوحي فيدعون به الناس . وما كان الرسل من قبل إلا رجالا ذوي أجساد . وما جعل الله لهم أجسادا ثم جعلهم لا يأكلون الطعام . فأكل الطعام من مقتضيات الجسدية , والجسدية من مقتضيات البشرية . وهم بحكم أنهم بشر مخلوقون لم يكونوا خالدين . . هذه هي سنة الله المطردة فليسألوا أهل الكتاب الذين عرفوا الأنبياء من قبل . إن كانوا هم لا يعلمون .
لقد كان الرسل من البشر ليعيشوا حياة البشر ; فتكون حياتهم الواقعية مصداق شريعتهم . وسلوكهم العملي نموذجا حيا لما يدعون إليه الناس . فالكلمة الحية الواقعية هي التي تؤثر وتهدي , لأن الناس يرونها ممثلة في شخص مترجمة إلى حياة .
ولو كان الرسل من غير البشر لا يأكلون الطعام , ولا يمشون في الأسواق , ولا يعاشرون النساء .