(بل متعنا هؤلاء وآباؤهم حتى طال عليهم العمر . أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ? أفهم الغالبون ?). . فهو المتاع الطويل الموروث الذي أفسد فطرتهم . والمتاع ترف . والترف يفسد القلب ويبلد الحس . وينتهي إلى ضعف الحساسية بالله , وانطماس البصيرة دون تأمل آياته . وهذا هو الابتلاء بالنعمة حين لا يستيقظ الإنسان لنفسه ويراقبها , ويصلها دائما بالله , فلا تنساه .
ومن ثم يلمس السياق وجدانهم بعرض المشهد الذي يقع كل يوم في جانب من جنبات الأرض حيث تطوى رقعة الدول المتغلبة وتنحسر وتتقلص . فإذا هي دويلات صغيرة وكانت امبراطوريات . وإذا هي مغلوبة على أمرها وكانت غالبة . وإذا هي قليلة العدد وكانت كثيرة . قليلة الخيرات وكانت فائضة بالخيرات . .
والتعبير يرسم يد القدرة وهي تطوي الرقعة وتنقص الأطراف وتزوي الأبعاد . . . فإذا هو مشهد ساحر فيه الحركة اللطيفة , وفيه الرهبة المخيفة !
(أفهم الغالبون)? فلا يجري عليهم ما يجري على الأخرين ?
الدرس الثاني:45 - 46 الإنذار بالقرآن قبل وقوع العذاب
وفي ظل هذا المشهد الذي ترتعش له القلوب يؤمر الرسول [ ص ] أن يلقي كلمة الإنذار:
(قل:إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون). .
فليحذروا أن يكونوا هم الصم الذين لا يسمعون ! فتطوى رقعة الأرض تحت أقدامهم , وتقص يد القدرة أطرافهم , وتتحيفهم وما هم فيه من متاع !!
ويتابع السياق إيقاعه المؤثر في القلوب , فيصورهم لأنفسهم حين يمسهم العذاب:
(ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن:يا ويلنا إنا كنا ظالمين). .
والنفحة تطلق غالبا في الرحمة . ولكنها هنا تطلق في العذاب . كأنما ليقال:إن أخف مسة من عذاب ربك تطلقهم يجأرون بالاعتراف . ولكن حيث لا يجدي الاعتراف . فلقد سبق في سياق السورة مشهد القرى التي أخذها بأس الله , فنادى أهلها: (يا ويلنا إنا كنا ظالمين . فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين). .
وإذن فهو الاعتراف بعد فوات الأوان . ولخير منه أن يسمعوا نذير الوحي وفي الوقت متسع , قبل أن تمسهم نفحة من العذاب !
الدرس الثالث:47 الحساب العادل الدقيق في الآخرة
ويختم الشوط بالإيقاع الأخير من مشاهد يوم الحساب:
(ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا . وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها . وكفى بنا حاسبين). .
والحبة من خردل تصور أصغر ما تراه العيون وأخفه في الميزان , وهي لا تترك يوم الحساب ولا تضيع . والميزان الدقيق يشيل بها أو يميل !
فلتنظر نفس ما قدمت لغد . وليصغ قلب إلى النذير . وليبادر الغافلون المعرضون المستهزئون قبل أن يحق النذير في الدنيا أو في الآخرة . فإنهم إن نجوا من عذاب الدنيا فهناك عذاب الآخرة الذي تعد موازينه ,