مقدمة الوحدة هذا الشوط الثالث يستعرض أمة الرسل . لا على وجه الحصر . يشير إلى بعضهم مجرد إشارة ; ويفصل ذكر بعضهم تفصيلا مطولا ومختصرا . وتتجلى في هذه الإشارات والحلقات رحمة الله وعنايته برسله , وعواقب المكذبين بالرسل بعد أن جاءتهم البينات . كما تتجلى بعض الاختبارات للرسل بالخير وبالضر , وكيف اجتازوا الابتلاء .
كذلك تتجلى سنة الله في إرسال الرسل من البشر . ووحدة العقيدة والطريق , لجماعة الرسل على مدار الزمان ; حتى لكأنهم أمة واحدة على تباعد الزمان والمكان .
وتلك إحدى دلائل وحدانية الألوهية المبدعة , ووحدانية الإرادة المدبرة , ووحدانية الناموس الذي يربط سنن الله في الكون , ويؤلف بينها , ويوجهها جميعا وجهة واحدة , إلى معبود واحد: (وأنا ربكم فاعبدون)
الدرس الأول:48 - 50 لقطة من قصة موسى وهارون
(ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين . الذين يخشون ربهم بالغيب , وهم من الساعة مشفقون . وهذا ذكر مبارك أنزلناه , أفأنتم له منكرون ?).
ولقد سبق في سياق السورة أن المشركين كانوا يستهزئون بالرسول [ ص ] لأنه بشر . وأنهم كانوا يكذبون بالوحي , ويقولون:إنه سحر أو شعر أو افتراء .
فها هو ذا يكشف لهم أن إرسال الرسل من البشر هي السنة المطردة , وهذه نماذج لها من قبل . وأن نزول الكتب على الرسل ليس بدعة مستغربة فهاهما ذان موسى وهارون آتاهما الله كتابا .
ويسمى هذا الكتاب "الفرقان" وهي صفة القرآن . فهناك وحدة حتى في الاسم . ذلك أن الكتب المنزلة كلها فرقان بين الحق والباطل , وبين الهدى والضلال , وبين منهج في الحياة ومنهج , واتجاه في الحياة واتجاه . فهي في عمومها فرقان . وفي هذه الصفة تلتقي التوراة والقرآن .
وجعل التوراة كذلك ,(ضياء)يكشف ظلمات القلب والعقيدة , وظلمات الظلال والباطل . وهي ظلمات يتوه فيها العقل ويضل فيها الضمير . وإن القلب البشري ليظل مظلما حتى تشرق فيه شعلة الإيمان , فتنير جوانبه , ويتكشف له منهجه , ويستقيم له اتجاهه , ولا تختلط عليه القيم والمعاني والتقديرات .
وجعل التوراة كالقرآن (ذكرا للمتقين)تذكرهم بالله , وتبقى لهم ذكرا في الناس . وماذا كان بنو إسرائيل قبل التوراة ? كانوا أذلاء تحت سياط فرعون , يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ويستذلهم بالسخرة والإيذاء .
ويخص المتقين (الذين يخشون ربهم بالغيب)لأن الذين تستشعر قلوبهم خشية الله ولم يروه , (وهم من الساعة مشفقون)فيعملون لها ويستعدون هؤلاء هم الذين ينتفعون بالضياء , ويسيرون على هداه , فيكون كتاب الله لهم ذكرا , يذكرهم الله , ويرفع لهم ذكرا في الناس .
ذلك شأن موسى وهارون . . (وهذا ذكر مبارك أنزلناه)فليس بدعا ولا عجبا , إنما هو أمر مسبوق وسنة معروفة (أفأنتم له منكرون ?)فماذا تنكرون منه , وقد سبقت به الرسالات ?
الدرس الثاني:51 - 73 مشاهد من قصة إبراهيم مع قومه
وبعد الإشارة السريعة إلى موسى وهارون وكتابهما يرتد السياق إلى حلقة كاملة من قصة إبراهيم , وهو جد العرب الأكبر وباني الكعبة التي يحشدون فيها الأصنام , ويعكفون عليها بالعبادة , وهو الذي حطم الأصنام من قبل . والسياق يعرضه هنا وهو يستنكر الشرك ويحطم الأصنام .