والحلقة المعروفة هنا هي حلقة الرسالة . وهي مقسمة إلى مشاهد متتابعة , بينها فجوات صغيرة . وهي تبدأ بالإشارة إلى ما سبق هداية إبراهيم إلى الرشد . ويعني به الهداية إلى التوحيد . فهذا هو الرشد الأكبر الذي تنصرف إليه لفظة(الرشد)في هذا المقام .
(ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل , وكنا به عالمين). .
آتينا رشده , وكنا عالمين بحاله وباستعداده لحمل الأمانة التي يحملها المرسلون .
(إذ قال لأبيه وقومه:ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ?). .
فكانت قولته هذه دليل رشده . . سمى تلك الأحجار والخشب باسمها: (هذه التماثيل)ولم يقل إنها آلهة , واستنكر أن يعكفوا عليها بالعبادة . و كلمة(عاكفون)تفيد الانكباب الدائم المستمر . و هم لايقضون وقتهم كله في عبادتها . ولكنهم يتعلقون بها . فهو عكوف معنوي لا زمني . وهو يسخف هذا التعلق ويبشعه بتصويرهم منكبين أبدا على هذة التماثيل !
فكان جوابهم وحجتهم أن
(قالوا:وجدنا آباءنا لها عابدين)!
وهو جواب يدل على التحجر العقلي والنفسي داخل قوالب التقليد الميتة , في مقابل حرية الإيمان , وانطلاقه للنظر والتدبر , وتقويم الأشياء والأوضاع بقيمها الحقيقية لاالتقليدية . فالإيمان باللة طلاقة وتحرر من القداسات الوهمية التقليدية , والوراثات المتحجرة التى لا تقوم على دليل:
(قال:لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين). .
وما كانت عبادة الآباء لتكسب هذة التماثيل قيمة ليست لها , ولا لتخلع عليها قداسة لا تستحقها . فالقيم لا تنبع من تقليد الآباء وتقديسهم , إنما تنبع من التقويم المتحرر الطليق .
وعندما واجههم إبراهيم بهذه الطلاقة في التقدير , وبهذه الصراحة في الحكم , راحوا يسألون:
(قالوا:أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين ?). .
وهو سؤال المزعزع العقيدة , الذي لا يطمئن إلى ما هو عليه , لأنه لم يتدبره ولم يتحقق منه . ولكنه كذلك معطل الفكر والروح بتأثير الوهم والتقليد . فهو لا يدري أي الأقوال حق . والعبادة تقوم على اليقين لا على الوهم المزعزع الذي لا يستند إلى دليل ! وهذا هو التيه الذي يخبط فيه من لا يدينون بعقيدة التوحيد الناصعة الواضحة المستقيمة في العقل والضمير .
فأما إبراهيم فهو مستيقن واثق عارف بربه , متمثل له في خاطره وفكره , يقولها كلمة المؤمن المطمئن لإيمانه:
(قال:بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن , وأنا على ذلكم من الشاهدين).
فهو رب واحد . رب الناس ورب السماوات والأرض . ربوبيته ناشئة عن كونه الخالق . فهما صفتان لا تنفكان: (بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن). . فهذه هي العقيدة المستقيمة الناصعة , لا كما يعتقد المشركون أن الآلهة أرباب , في الوقت الذي يقرون أنها لا تخلق , وأن الخالق هو الله . ثم هم يعبدون تلك الآلهة التي لا تخلق شيئا وهم يعلمون !
إنه واثق وثوق الذي يشهد على واقع لا شك فيه: (وأنا على ذلكم من الشاهدين). . وإبراهيم - عليه السلام - لم يشهد خلق السماوات والأرض , ولم يشهد خلق نفسه ولا قومه . . ولكن الأمر من الوضوح