إن الذين يقيسون أعمال الله سبحانه إلى أعمال البشر هم الذين يسألون:كيف كان هذا ? وكيف أمكن أن يكون ? فأما الذين يدركون اختلاف الطبيعتين , واختلاف الأداتين , فإنهم لا يسألون أصلا , ولا يحاولون أن يخلقوا تعليلا . علميا أو غير علمي . فالمسألة ليست في هذا الميدان أصلا . ليست في ميدان التعليل والتحليل بموازين البشر ومقاييس البشر . وكل منهج في تصور مثل هذه المعجزات غير منهج الإحالة إلى القدرة المطلقة هو منهج فاسد من أساسه , لأن أعمال الله غير خاضعة لمقاييس البشر وعلمهم القليل المحدود .
إن علينا فقط أن نؤمن بأن هذا قد كان , لأن صانعه يملك أن يكون . أما كيف صنع بالنار فإذا هي برد وسلام ? وكيف صنع بإبراهيم فلا تحرقه النار . . فذلك ما سكت عنه النص القرآني لأنه لا سبيل إلى إدراكه بعقل البشر المحدود . وليس لنا سوى النص القرآني من دليل .
وما كان تحويل النار بردا وسلاما على إبراهيم إلا مثلا تقع نظائره في صور شتى . ولكنها قد لا تهز المشاعر كما يهزها هذا المثل السافر الجاهر . فكم من ضيقات وكربات تحيط بالأشخاص والجماعات من شأنها أن تكون القاصمة القاضية , وإن هي إلا لفتة صغيرة , فإذا هي تحيي ولا تميت , وتنعش ولا تخمد , وتعود بالخير وهي الشر المستطير .
إن (يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم)لتتكرر في حياة الأشخاص والجماعات والأمم ; وفي حياة الأفكار والعقائد والدعوات . وإن هي إلا رمز للكلمة التي تبطل كل قول , وتحيط كل كيد , لأنها الكلمة العليا التي لا ترد !
(وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين). .
وقد روي أن الملك المعاصر لإبراهيم كان يلقب "بالنمرود" وهو ملك الآراميين بالعراق . وأنه قد أهلك هو والملأ من قومه بعذاب من عند الله . تختلف الروايات في تفصيلاته , وليس لنا عليها من دليل . المهم أن الله قد أنجى إبراهيم من الكيد الذي أريد به , وباء الكائدون له بخسارة ما بعدها خسارة (فجعلناهم الأخسرين)هكذا على وجه الإطلاق دون تحديد !
(ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين). .
وهي أرض الشام التي هاجر إليها هو وابن أخيه لوط . فكانت مهبط الوحي فترة طويلة , ومبعث الرسل من نسل إبراهيم . وفيها الأرض المقدسة . وثاني الحرمين . وفيها بركة الخصب والرزق , إلى جانب بركة الوحي والنبوة جيلا بعد جيل .
(ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة , وكلا جعلنا صالحين . وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا , وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة , وكانوا لنا عابدين). .
لقد ترك إبراهيم - عليه السلام - وطنا وأهلا وقوما . فعوضه الله الأرض المباركة وطنا خيرا من وطنه . وعوضه ابنه إسحاق وحفيده يعقوب أهلا خيرا من أهله . وعوض من ذريته أمة عظيمة العدد قوما خيرا من قومه . وجعل من نسله أئمة يهدون الناس بأمر الله ; وأوحى إليهم أن يفعلوا الخيرات على اختلافها , وأن يقيموا الصلاة , ويؤتوا الزكاة . وكانوا طائعين لله عابدين . . فنعم العوض , ونعم الجزاء , ونعمت الخاتمة التي قسمها الله لإبراهيم . لقد ابتلاه بالضراء فصبر , فكانت الخاتمة الكريمة اللائقة بصبره الجميل .
الدرس الثالث:74 - 75 لقطة من قصة لوط
(ولوطا آتيناه حكما وعلما ; ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث , إنهم كانوا قوم سوء فاسقين .