خطأ , ولكن قضاء سليمان كان أصوب , لأنه من نبع الإلهام . ثم يعرض السياق ما اختص به كلا منهما . فيبدأ بالوالد:
(وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير . وكنا فاعلين . وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم , فهل أنتم شاكرون ?).
وقد عرف داود - عليه السلام - بمزاميره . وهي تسابيح لله كان يرتلها بصوته الحنون , فتتجاوب أصداؤها حوله , وترجع معه الجبال والطير . .
وحينما يتصل قلب عبد بربه فإنه يحس الاتصال بالوجود كله ; وينبض قلب الوجود معه ; وتنزاح العوائق والحواجز الناشئة عن الشعور بالفوارق والفواصل التي تميز الأنواع والأجناس , وتقيم بينها الحدود والحواجز , وعندئذ تتلاقى ضمائرها وحقائقها في ضمير الكون وحقيقته .
وفي لحظات الإشراق تحس الروح باندماجها في الكل , واحتوائها على الكل . . عندئذ لا تحس بأن هنالك ما هو خارج عن ذاتها ; ولا بأنها هي متميزة عما حولها . فكل ما حولها مندمج فيها وهي مندمجة فيه .
ومن النص القرآني نتصور داود وهو يرتل مزاميره , فيسهو على نفسه المنفصلة المتميزة المتحيزة . وتهيم روحه في ظلال الله في هذا الكون ومجاليه ومخلوقاته الجوامد منها والأحياء . فيحس ترجيعها , ويتجاوب معها كما تتجاوب معه . وإذا الكون كله فرقة مرتلة عازفة مسبحة بجلال الله وحمده . (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم). . إنما يفقهه من يتجرد من الحواجز والفواصل , وينطلق مع أرواح الكائنات , المتجهة كلها إلى الله .
(وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير). . (وكنا فاعلين)فما هنالك من شيء يعز على القدرة أو يتأبى حين تريد . يستوي أن يكون مألوفا للناس أو غير مألوف .
(وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم , فهل أنتم شاكرون ?). .
تلك هي صنعة الدروع حلقا متداخلة , بعد أن كانت تصنع صفيحة واحدة جامدة . والزرد المتداخل أيسر استعمالا وأكثر مرونة , ويبدو أن داود هو الذي ابتدع هذا النوع من الدروع بتعليم الله . والله يمن على الناس أن علم داود هذه الصناعة لوقايتهم في الحرب: (لتحصنكم من بأسكم)وهو يسألهم سؤال توجيه وتحضيض: (فهل أنتم شاكرون ?). .
والحضارة البشرية سارت في طريقها خطوة خطوة وراء الكشوف . ولم تجيء طفرة , لأن خلافة الأرض تركت لهذا الإنسان , ولمداركه التي زوده الله بها ليخطو في كل يوم خطوة ; ويعيد تنسيق حياته وفق هذه الخطوة . وإعادة تنسيق الحياة وفق نظام جديد ليست سهلة على النفس البشرية ; فهي تهز أعماقها ; وتغير عاداتها ومألوفها ; وتقتضي فترة من الزمان لإعادة الاستقرار الذي تطمئن فيه إلى العمل والإنتاج . ومن ثم شاءت حكمة الله أن تكون هناك فترة استقرار تطول أو تقصر . بعد كل تنسيق جديد .
والقلق الذي يستولي على أعصاب العالم اليوم منشؤه الأول سرعة توالي الهزات العلمية والاجتماعية التي لا تدع للبشرية فترة استقرار , ولا تدع للنفس فرصة التكيف والتذوق للوضع الجديد .
ذلك شأن داود . فأما شأن سليمان فهو أعظم: