ولكننا لا نملك على هذا دليلا . فلنعلم أنه كان من الصابرين على نحو من أنحاء الصبر الذي يستحق التسجيل في كتاب الله الباقي .
وأما ذو الكفل فهو كذلك مجهول لا نملك تحديد زمانه ولا مكانه . والأرجح أنه من أنبياء بني إسرائيل . وقيل:إنه من صالحيهم , وأنه تكفل لأحد أنبيائهم قبل موت هذا النبي , بأن يخلفه في بني إسرائيل على أن يتكفل بثلاث:أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب في القضاء . فوفى بما تكفل به وسمي ذا الكفل لذاك - ولكن هذه ليست سوى أقوال لا دليل عليها . والنص القرآني يكفي في هذا الموضع لتسجيل صفة الصبر لذي الكفل .
(وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين). . وهذا هو المقصود بذكرهم في هذا السياق .
الدرس الثامن:87 - 88 لقطة من قصة يونس ذي النون
ثم تجيء قصة يونس - عليه السلام - وهو ذو النون .
(وذا النون إذ ذهب مغاضبا . فظن أن لن نقدر عليه . فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . فاستجبنا له ونجيناه من الغم . وكذلك ننجي المؤمنين). .
وقصة يونس تأتي هنا في صورة إشارة سريعة مراعاة للتناسق في السياق , وتفصل في سورة الصافات . ولكن لا بد لنا من بعض التفصيل هنا لهذه الإشارة كي تكون مفهومة .
لقد سمي ذا النون - أي صاحب الحوت - لأن الحوت التقمه ثم نبذه . وقصة ذلك أنه أرسل إلى قرية فدعا أهلها إلى الله فاستعصوا عليه , فضاق بهم صدرا , وغادرهم مغاضبا , ولم يصبر على معاناة الدعوة معهم . ظانا أن الله لن يضيق عليه الأرض , فهي فسيحة , والقرى كثيرة , والأقوام متعددون . وما دام هؤلاء يستعصون على الدعوة , فسيوجهه الله إلى قوم آخرين .
ذلك معنى (فظن أن لن نقدر عليه)أي أن لن نضيق عليه .
وقاده غضبه الجامح , وضيقه الخانق , إلى شاطيء البحر , فوجد سفينة مشحونة فركب فيها . حتى إذا كانت في اللجة ثقلت , وقال ربانها:إنه لا بد من إلقاء أحد ركابها في البحر لينجو سائر من فيها من الغرق . فساهموا فجاء السهم على يونس , فألقوه أو ألقى هو بنفسه . فالتقمه الحوت . مضيقا عليه أشد الضيق ! فلما كان في الظلمات:ظلمة جوف الحوت , وظلمة البحر , وظلمة الليل نادى: (أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين). فاستجاب الله دعاءه , ونجاه من الغم الذي هو فيه . ولفظه الحوت على الساحل . ثم كان من أمره ما يفصله في سورة الصافات . فحسبنا هذا في هذا السياق .
إن في هذه الحلقة من قصة يونس - عليه السلام - لفتات ولمسات نقف أمامها لحظات .
إن يونس لم يصبر على تكاليف الرسالة , فضاق صدرا بالقوم , وألقى عبء الدعوة , وذهب مغاضبا , ضيق الصدر , حرج النفس ; فأوقعه الله في الضيق الذي تهون إلى جانبه مضايقات المكذبين . ولولا أن ثاب إلى ربه ! واعترف بظلمه لنفسه ودعوته وواجبه . لما فرج الله عنه هذا الضيق . ولكنها القدرة حفظته ونجته من الغم الذي يعانيه .
وأصحاب الدعوات لا بد أن يحتملوا تكاليفها , وأن يصبروا على التكذيب بها , والإيذاء من أجلها . وتكذيب الصادق الواثق مرير على النفس حقا . ولكنه بعض تكاليف الرسالة . فلا بد لمن يكلفون حمل