فتبدأ بدعاء زكريا: (رب لا تذرني فردا)بلا عقب يقوم على الهيكل:وكان زكريا قائما على هيكل العبادة في بني إسرائيل قبل مولد عيسى - عليه السلام - ولا ينسى زكريا أن الله هو وارث العقيدة ووارث المال: (وأنت خير الوارثين)إنما هو يريد من ذريته من يحسن الخلافة بعده في أهله ودينه وماله . لأن الخلق ستار القدرة في الأرض .
وكانت الاستجابة سريعة ومباشرة: (فاستجبنا له , ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه)وكانت عقيما لا تصلح للنسل . . ويختصر السياق تفصيلات هذا كله ليصل مباشرة إلى استجابة الله للدعاء .
(إنهم كانوا يسارعون في الخيرات). . فسارع الله في استجابة الدعاء .
(ويدعوننا رغبا ورهبا). . رغبة في الرضوان ورهبة للغضب . فقلوبهم وثيقة الصلة دائمة التطلع . (وكانوا لنا خاشعين). . لا متكبرين ولا متجبرين . .
بهذه الصفات في زكريا وزوجه وابنهما يحيى استحق الوالدان أن ينعم عليهما بالابن الصالح . فكانت أسرة مباركة تستحق رحمة الله ورضاه .
الدرس العاشر:91 إشارة إلى مريم وعيسى
أخيرا يذكر مريم بمناسبة ذكر ابنها عليه السلام:
(والتي أحصنت فرجها , فنفخنا فيها من روحنا , وجعلناها وابنها آية للعالمين). .
ولا يذكر هنا اسم مريم , لأن المقصود في سلسلة الأنبياء هو ابنها - عليه السلام - وقد جاءت هي تبعا له في السياق . إنما يذكر صفتها المتعلقة بولدها: (والتي أحصنت فرجها). أحصنته فصانته من كل مباشرة . والإحصان يطلق عادة على الزواج بالتبعية , لأن الزواج يحصن من الوقوع في الفاحشة . أما هنا فيذكر في معناه الأصيل , وهو الحفظ والصون أصلا من كل مباشرة شرعية أو غير شرعية . وذلك تنزيها لمريم عن كل ما رماها به اليهود مع يوسف النجار الذي كان معها في خدمة الهيكل . والذي تقول عنه الأناجيل المتداولة , إنه كان قد تزوجها ولكنه لم يدخل بها ولم يقربها .
لقد أحصنت فرجها (فنفخنا فيها من روحنا)والنفخ هنا شائع لا يحدد موضعه كما في سورة التحريم - وقد سبق الحديث عن هذا الأمر في تفسير سورة مريم - ومحافظة على أن نعيش في ظلال النص الذي بين أيدينا فإننا لا نفصل ولا نطول , فنمضي مع النص إلى غايته:
(وجعلناها وابنها آية للعالمين). .
وهي آية غير مسبوقة ولا ملحوقة . آية فذة واحدة في تاريخ البشرية جميعا . ذلك أن المثل الواحد من هذا النوع يكفي لتتأمله البشرية في أجيالها جميعا ; وتدرك يد القدرة الطليقة التي تخلق النواميس , ولكنها لا تحتبس داخل النواميس .
الدرس الحادي عشر:92 أمة الأنبياء
وفي نهاية الاستعراض الذي شمل نماذج من الرسل , ونماذج من الابتلاء , ونماذج من رحمة الله - يعقب بالغرض الشامل من هذا الاستعراض:
(إن هذه أمتكم أمة واحدة , وأنا ربكم فاعبدون). .
إن هذه أمتكم . أمة الأنبياء . أمة واحدة . تدين بعقيدة واحدة . وتنهج نهجا واحدا . هو الاتجاه إلى الله دون سواه .