أمة واحدة في الأرض , ورب واحد في السماء . لا إله غيره ولا معبود إلا إياه . أمة واحدة وفق سنة واحدة , تشهد بالإرادة الواحدة في الأرض والسماء .
وهنا يلتقي هذا الاستعراض بالمحور الذي تدور عليه السورة كلها ; وتشترك في تقرير عقيدة التوحيد , تشهد بها مع سنن الكون وناموس الوجود . .
الوحدة الرابعة:93 - 112 الموضوع:من مشاهد البعث والحشر والحساب والنعيم والعذاب موضوع الوحدة
هذا الشوط الأخير في السورة بعد عرض سنن الله الكونية , الشاهدة بوحدة الخالق ; وسنن الله في إرسال الرسل بالدعوات الشاهدة بوحدة الأمة ووحدة العقيدة . . يعرض السياق فيه مشهدا للساعة وأشراطها , يتبين فيه مصير المشركين بالله ومصير الشركاء ; ويتفرد الله ذو الجلال بالتصريف فيه والتدبير .
ثم يقرر سنة الله في وراثة الأرض , ورحمة الله للعالمين المتمثلة في رسالة محمد [ ص ] .
وعندئذ يؤمر الرسول [ ص ] أن ينفض يده منهم , وأن يدعهم لمصيرهم , فيترك الحكم لله فيهم ; ويستعين به على شركهم وتكذيبهم واستهزائهم , وانصرافهم إلى اللعب واللهو , ويوم الحساب قريب .
الدرس الأول:93 - 95 الإختلاف في الدنيا والجزاء في الآخرة
(وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون . فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه , وإنا له كاتبون . وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون). .
إن أمة الرسل واحدة تقوم على عقيدة واحدة وملة واحدة , أساسها التوحيد الذي تشهد به نواميس الوجود ; والذي دعت إليه الرسل منذ أولى الرسالات إلى أخراها دون تبديل ولا تغيير في هذا الأصل الكبير .
إنما كانت التفصيلات والزيادات في مناهج الحياة القائمة على عقيدة التوحيد , بقدر استعداد كل أمة , وتطور كل جيل ; وبقدر نمو مدارك البشرية ونمو تجاربها , واستعدادها لأنماط من التكاليف ومن التشريعات ; وبقدر حاجاتها الجديدة التي نشأت من التجارب , ومن نمو الحياة ووسائلها وارتباطاتها جيلا بعد جيل .
ومع وحدة أمة الرسل , ووحدة القاعدة التي تقوم عليها الرسالات . . فقد تقطع أتباعها أمرهم بينهم , كأنما اقتطع كل منهم قطعة وذهب بها . وثار بينهم الجدل , وكثر بينهم الخلاف , وهاجت بينهم العداوة والبغضاء . . وقع ذلك بين أتباع الرسول الواحد حتى ليقتل بعضهم بعضا باسم العقيدة . والعقيدة واحدة , وأمة الرسل كلها واحدة .
لقد تقطعوا أمرهم بينهم في الدنيا . ولكنهم جميعا سيرجعون إلى الله , في الآخرة: (كل إلينا راجعون)فالمرجع إليه وحده , وهو الذي يتولى حسابهم ويعلم ما كانوا عليه من هدى أو ضلال:
(فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن , فلا كفران لسعيه , وإنا له كاتبون). .
هذا هو قانون العمل والجزاء . . لا جحود ولا كفران للعمل الصالح متى قام على قاعدة الإيمان . . وهو مكتوب عند الله لا يضيع منه شيء ولا يغيب .
ولا بد من الإيمان لتكون للعمل الصالح قيمته , بل ليثبت للعمل الصالح وجوده . ولا بد من العمل الصالح لتكون للإيمان ثمرته , بل لتثبت للإيمان حقيقته .
إن الإيمان هو قاعدة الحياة , لأنه الصلة الحقيقية بين الإنسان وهذا الوجود , والرابطة التي تشد الوجود بما فيه ومن فيه إلى خالقه الواحد , وترده إلى الناموس الواحد الذي ارتضاه , ولا بد من القاعدة ليقوم البناء . والعمل الصالح هو هذا البناء . فهو منهار من أساسه ما لم يقم على قاعدته .
والعمل الصالح هو ثمرة الإيمان التي تثبت وجوده وحيويته في الضمير . والإسلام بالذات عقيدة متحركة متى تم وجودها في الضمير تحولت إلى عمل صالح هو الصورة الظاهرة للإيمان المضمر . . والثمرة اليانعة للجذور الممتدة في الأعماق .
ومن ثم يقرن القرآن دائما بين الإيمان والعمل الصالح كلما ذكر العمل والجزاء . فلا جزاء على إيمان عاطل خامد لا يعمل ولا يثمر . ولا على عمل منقطع لا يقوم على الإيمان .
والعمل الطيب الذي لا يصدر عن إيمان إنما هو مصادفة عابرة , لأنه غير مرتبط بمنهج مرسوم , ولا موصول بناموس مطرد . وإن هو إلا شهوة أو نزوة غير موصولة بالباعث الأصيل للعمل الصالح في هذا