الوجود . وهو الإيمان بإله يرضى عن العمل الصالح , لأنه وسيلة البناء في هذا الكون , ووسيلة الكمال الذي قدره الله لهذه الحياة . فهو حركة ذات غاية مرتبطة بغاية الحياة ومصيرها , لا فلتة عابرة , ولا نزوة عارضة , ولا رمية بغير هدف , ولا اتجاها معزولا عن اتجاه الكون وناموسه الكبير . والجزاء على العمل يتم في الآخرة حتى ولو قدم منه قسط في الدنيا . فالقرى التي هلكت بعذاب الاستئصال ستعود كذلك حتما لتنال جزاءها الأخير , وعدم عودتها ممتنعة , فهي راجعة بكل تأكيد .
(وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون). .
إنما يفرد السياق هذه القرى بالذكر بعد أن قال: (كل إلينا راجعون)لأنه قد يخطر للذهن أن هلاكها في الدنيا كان نهاية أمرها , ونهاية حسابها وجزائها . فهو يؤكد رجعتها إلى الله , وينفي عدم الرجعة نفيا قاطعا في صورة التحريم لوقوعه . . وهو تعبير فيه شيء من الغرابة , مما جعل المفسرين يؤولونه فيقدرون أن "لا" زائدة . وأن المعنى هي نفي رجعة القرى إلى الحياة في الدنيا بعد إهلاكها . أو نفي رجوعهم عن غيهم إلى قيام الساعة . وكلاهما تأويل لا داعي له . وتفسير النص على ظاهره أولى , لأن له وجهه في السياق على النحو الذي ذكرنا .
الدرس الثاني:96 - 104 من مشاهد يوم الفزع الأكبر
ثم يعرض مشهدا من مشاهد القيامة يبدؤه بالعلامة التي تدل على قرب الموعد . وهو فتح يأجوج ومأجوج:
حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون , واقترب الوعد الحق , فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا . يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا , بل كنا ظالمين . إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون . لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها , وكل فيها خالدون . لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون . إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون , لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون , لا يحزنهم الفزع الأكبر , وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون . يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب , كما بدأنا أول خلق نعيده , وعدا علينا إنا كنا فاعلين . .
وقد قلنا من قبل عند الكلام على يأجوج ومأجوج في قصة ذي القرنين في سورة الكهف:اقتراب الوعد الحق الذي يقرنه السياق بفتح يأجوج ومأجوج , ربما يكون قد وقع بانسياح التتار وتدفقهم شرقا وغربا , وتحطيم الممالك والعروش . . لأن القرآن قد قال منذ أيام الرسول [ ص ] (اقتربت الساعة). غير أن اقتراب الوعد الحق لا يحدد زمانا معينا للساعة . فحساب الزمن في تقدير الله غيره في تقدير البشر , (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون).
إنما المقصود هنا هو وصف ذلك اليوم حين يجيء , والتقديم له بصورة مصغرة من مشاهد الأرض , هي تدفق يأجوج ومأجوج من كل حدب في سرعة واضطراب . على طريقة القرآن الكريم في الاستعانة بمشاهدات البشر والترقي بهم من تصوراتهم الأرضية إلى المشاهد الأخروية .
وفي المشهد المعروض هنا يبرز عنصر المفاجأة التي تبهت المفجوئين !
(فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا). .
لا تطرف من الهول الذي فوجئوا به . ويقدم في التعبير كلمة(شاخصة)لترسم المشهد وتبرزه !
ثم يميل السياق عن حكاية حالهم إلى إبرازهم يتكلمون , وبذلك يحيي المشهد ويستحضره: