"والرأي الثالث الذي يذهب إلى أن هذا الكون أزلي ليس لنشأته بداية , إنما يشترك مع الرأي الذي ينادي بوجود خالق لهذا الكون - وذلك في عنصر واحد هو الأزلية - وإذن فنحن إما أن ننسب صفة الأزلية إلى عالم ميت , وإما أن ننسبها إلى إله حي يخلق , وليس هنالك صعوبة فكرية في الأخذ بأحد هذين الاحتمالين أكثر مما في الآخر . ولكن قوانين "الديناميكا الحرارية " تدل على أن مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجيا , وأنها سائرة حتما إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض , هي الصفر المطلق ; ويومئذ تنعدم الطاقة , وتستحيل الحياة . ولا مناص من حدوث هذه الحالة من انعدام الطاقات عندما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق , بمضي الوقت . أما الشمس المستعرة , والنجوم المتوهجة , والأرض الغنية بأنواع الحياة , فكلها دليل واضح على أن أصل الكون أو أساسة يرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة , فهو إذن حدث من الأحداث . . ومعنى ذلك أنه لا بد لأصل الكون من خالق أزلي , ليس له بداية , عليم محيط بكل شيء , قوي ليس لقدرته حدود , ولا بد أن يكون هذا الكون من صنع يديه" .
الله - سبحانه - خالق كل شيء . لا إله إلا هو . .
هذه هي القاعدة التي يقيم عليها السياق القرآني هنا وجوب عبادة الله وحده . ووجوب ربوبيته وحده - بكل مدلولات الربوبية من الحكم والتربية والتوجيه والقوامة:
(ذلكم الله ربكم . لا إله إلا هو:خالق كل شيء . فاعبدوه . وهو على كل شيء وكيل). .
فهي القوامة لا على البشر وحدهم , ولكن على كل شيء كذلك . بما أنه هو خالق كل شيء . . . وهذا هو المقصود من تقرير تلك القاعدة , التي لم يكن المشركون - في جاهليتهم - يجحدونها . ولكنهم ما كانوا يسلمون بمقتضاها . وهو:الخضوع والطاعة لحاكمية الله وحده والدينونة لسلطانه بلا شريك . .
الدرس السابع:103 - 104 الله يدرك الأبصار وهي لا تدركه والقرآن بصائر
ثم تعبير عن صفة الله سبحانه , يغشى الجوانح والحنايا بظلال ما أحسب أن لغة البشر تملك لها وصفا , فلندعها تلقي ظلالها في شفافية ولين ; وترسم المشهد الذي يغلف فيه ما يهول ويروع من صفة الله , بما يطمئن ويروح , ويشف شفافية النور:
(لا تدركه الأبصار , وهو يدرك الأبصار , وهو اللطيف الخبير). .
إن الذين كانوا يطلبون في سذاجة أن يروا الله , كالذين يطلبون في سماجة دليلا ماديا على الله ! هؤلاء وهؤلاء لا يدركون ماذا يقولون !
إن أبصار البشر وحواسهم وإدراكهم الذهني كذلك . . كلها إنما خلقت لهم ليزاولوا بها التعامل مع هذا الكون , والقيام بالخلافة في الأرض . . وإدراك آثار الوجود الإلهي في صفحات هذا الوجود المخلوق . . فأما ذات الله - سبحانه - فهم لم يوهبوا القدرة على إدراكها . لأنه لا طاقة للحادث الفاني أن يرى الأزلي