الأبدي . فضلا على أن هذه الرؤية لا تلزم لهم في خلافة الأرض . وهي الوظيفة التي هم معانون عليها وموهوبون ما يلزم لها . . وقد يفهم الإنسان سذاجة الأولين . ولكنه لا يملك أن يفهم سماجة الآخرين ! إن هؤلاء يتحدثون عن "الذرة " وعن "الكهرب" وعن "البروتون" وعن "النيوترون" . . وواحد منهم لم ير ذرة ولا كهربا ولا بروتونا ولا نيوترونا في حياته قط . فلم يوجد بعد الجهاز المكبر الذي يضبط هذه الكائنات . . ولكنها مسلمة من هؤلاء كفرض , ومصداق هذا الفرض أن يقدروا آثارا معينة تقع لوجود هذه الكائنات . فإذا وقعت هذه الآثار [ جزموا ] بوجود الكائنات التي أحدثتها ! بينما قصارى ما تصل إليه هذه التجربة هو "احتمال" وجود هذه الكائنات على الصفة التي افترضوها ! . . ولكنهم حين يقال لهم عن وجود الله - سبحانه - عن طريق آثار هذا الوجود التي تفرض نفسها فرضا على العقول ! يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير , ويطلبون دليلا ماديا تراه الأعين . .
كأن هذا الوجود بجملته , وكأن هذه الحياة بأعاجيبها لا تكفي لتكون هذا الدليل !
وكذلك يعقب السياق القرآني على ما عرضه من آيات في صفحة الوجود وفي مكنونات النفوس . وعلى تقريره عن ذات الله سبحانه بأنه:(لا تدركه الأبصار , وهو يدرك الأبصار , وهو اللطيف الخبير).
يعقب السياق على هذا الوصف الذي لا تملك لغة البشر أن تشرحه أو تصفه . . بقوله:(قد جاءكم بصائر من ربكم , فمن أبصر فلنفسه , ومن عمي فعليها , وما أنا عليكم بحفيظ). .
فهذا الذي جاء من عند الله . . بصائر . . والبصائر تهتدي وتهدي . . وهذا بذاته . . بصائر . . تهدي .
فمن أبصر فلنفسه فإنما يجد الهدى والنور . وليس وراء ذلك إلا العمى . فما يبقى على الضلال بعد هذه الآيات والبصائر إلا أعمى . . معطل الحواس . مغلق المشاعر . مطموس الضمير . .
ويوجه النبي [ ص ] أن يعلن براءته من أمرهم ومغبته: (وما أنا عليكم بحفيظ). .
ولا يفوتنا أن نلمح التناسق في الجو والظلال والعبارة بين قوله في الآية السابقة:في صفة الله سبحانه:(لا تدركه الأبصار , وهو يدرك الأبصار , وهو اللطيف الخبير). . وبين قوله في الآية اللاحقة: (قد جاءكم بصائر من ربكم , فمن أبصر فلنفسه , ومن عمي فعليها). . واستخدام الأبصار والبصائر , والبصر والعمى , في السياق المتناسق المتناغم . .
الدرس الثامن:105 - 107 توجيهات للرسول حول الدعوة والأتباع
بعد ذلك يلتفت السياق إلى الرسول [ ص ] فيتحدث عن تصريف الآيات على هذا المستوى , الذي لا يتناسب مع أمية النبي [ ص ] وبيئته ; والذي يدل بذاته على مصدره الرباني - لمن تتفتح بصيرته - ولكن المشركين ما كانوا يريدون الاقتناع بالآيات . ومن ثم كانوا يقولون:إن محمدا درس هذه القضايا العقيدية والكونية مع أحد أهل الكتاب ! وما دروا أن أهل الكتاب ما كانوا يعلمون شيئا على هذا المستوى الذي يحدثهم محمد فيه ; وما كان أهل الأرض جميعا - وما يزالون - يبلغون شيئا من هذا المستوى السامق على كل ما عرف البشر وما يعرفون . ومن ثم يوجه الرسول [ ص ] إلى اتباع ما أوحي إليه والإعراض عن المشركين: