(وكذلك نصرف الآيات , وليقولوا:درست , ولنبينه لقوم يعلمون . اتبع ما أوحي إليك من ربك , لاإله إلا هو , وأعرض عن المشركين . ولو شاء الله ما أشركوا . وما جعلناك عليهم حفيظا , وما أنت عليهم بوكيل). .
إن الله يصرف آياته على هذا المستوى الذي لا عهد للعرب به ; لأنه ليس نابعا من بيئتهم - كما أنه ليس نابعا من البيئة البشرية على العموم - فينتهي هذا التصريف إلى نتيجتين متقابلتين في البيئة:
فأما الذين لا يريدون الهدى , ولا يرغبون في العلم , ولا يجاهدون ليبلغوا الحقيقة . فهؤلاء سيحاولون أن يجدوا تعليلا لهذا المستوى الذي يخاطبهم به محمد - وهو منهم - وسيختلقون ما يعلمون أنه لم يقع . فما كان شيء من حياة محمد خافيا عليهم قبل الرسالة ولا بعدها . . ولكنهم يقولون:درست هذا يا محمد مع أهل الكتاب وتعلمته منهم ! وما كان أحد من أهل الكتاب يعلم شيئا على هذا المستوى . . وهذه كتب أهل الكتاب التي كانت بين أيديهم يومذاك ما تزال بين أيدينا . والمسافة شاسعة شاسعة بين هذا الذي في أيديهم وهذا القرآن الكريم . . إن ما بين أيديهم إن هو إلا روايات لا ضابط لها عن تاريخ الأنبياء والملوك مشوبة بأساطير وخرافات من صنع أشخاص مجهولين - هذا فيما يختص بالعهد القديم - فأما العهد الجديد - وهو الأناجيل - فما يزيد كذلك على أن يكون روايات رواها تلاميذ المسيح - عليه السلام - بعد عشرات السنين ; وتداولتها المجامع بالتحريف والتبديل والتعديل على ممر السنين . وحتى المواعظ الخلقية والتوجيهات الروحية لم تسلم من التحريف والإضافة والنسيان . . وهذا هو الذي كان بين أيدي أهل الكتاب حينذاك , وما يزال . . فأين هذا كله من القرآن الكريم ?! ولكن المشركين - في جاهليتهم - كانوا يقولون هذا ; وأعجب العجب أن جاهليين في هذا العصر من "المستشرقين" و"المتمسلمين" ! يقولون هذا القول فيسمى الآن "علمًا" و"بحثًا" و"تحقيقًا" لا يبلغة إلا المستشرقون !
فأما الذين(يعلمون)حقا , فإن تصريف الآيات على هذا النحو يؤدي إلى بيان الحق لهم فيعرفونه:
(ولنبينه لقوم يعلمون). .
ثم تقع المفاصلة بين قوم مبصرين يعلمون , وقوم عمي لا يعلمون !
ويصدر الأمر العلوي للنبي الكريم , وقد صرف الله الآيات , فافترق الناس في مواجهتها فريقين . . يصدر الأمر العلوي للنبي [ ص ] أن يتبع ما أوحي إليه , وأن يعرض عن المشركين , فلا يحفلهم ولا يحفل ما يقولون من قول متهافت , ولا يشغل باله بتكذيبهم وعنادهم ولجاجهم . فإنما سبيله أن يتبع ما أوحي إليه من ربه ; فيصوغ حياته كلها على أساسه ; ويصوغ نفوس أتباعه كذلك . ولا عليه من المشركين ; فإنما هو يتبع وحي الله , الذي لا إله إلا هو , فماذا عليه من العبيد ?!
(اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو , وأعرض عن المشركين). .
ولو شاء الله أن يلزمهم الهدى لألزمهم , ولو شاء أن يخلقهم ابتداء لا يعرفون إلا الهدى كالملائكة لخلقهم . ولكنه سبحانه خلق الإنسان بهذا الاستعداد للهدى وللضلال , وتركه يختار طريقه ويلقى جزاء الاختيار - في حدود المشيئة المطلقة التي لا يقع في الكون إلا ما تجري به , ولكنها لا ترغم إنسانا على الهدى أو الضلال - وخلقه على هذا النحو لحكمة يعلمها ; وليؤدي دوره في هذا الوجود كما قدره الله له . باستعداداته هذه وتصرفاته:
(ولو شاء الله ما أشركوا). .