وليس الرسول [ ص ] مسؤولا عن عملهم , وهو لم يوكل بقلوبهم فالوكيل عليها هو الله:(وما جعلناك عليهم حفيظا , وما أنت عليهم بوكيل). .
وهذا التوجيه لرسول الله [ ص ] يحدد المجال الذي يتناوله اهتمام الرسول [ ص ] وعمله:كما يحدد هذا المجال لخلفائه وأصحاب الدعوة إلى دينه في كل أرض وفي كل جيل . .
إن صاحب الدعوة لا يجوز أن يعلق قلبه وأمله وعمله بالمعرضين عن الدعوة , المعاندين , الذين لا تتفتح قلوبهم لدلائل الهدى وموحيات الإيمان . . إنما يجب أن يفرغ قلبه , وأن يوجه أمله وعمله للذين سمعوا واستجابوا . فهؤلاء في حاجة إلى بناء كيانهم كله على القاعدة التي دخلوا الدين عليها . . قاعدة العقيدة . . وفي حاجة لإنشاء تصور لهم كامل عميق عن الوجود والحياة على أساس هذه العقيدة . وفي حاجة إلى بناء أخلاقهم وسلوكهم ; وبناء مجتمعهم الصغير على هذا الأساس نفسه . وهذا كله يحتاج إلى الجهد . ويستحق الجهد . فأما الواقفون على الشق الآخر , فجزاؤهم الإهمال والإعراض بعد الدعوة والبلاغ . . وحين ينمو الحق في ذاته فإن الله يجري سنته , فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق . . إن على الحق أن يوجد ومتى وجد الحق في صورته الصادقة الكاملة , فإن شأن الباطل هين , وعمره كذلك قريب !
الدرس التاسع:108 النهي عن سب آلهة المشركين وسد الذريعة
ومع أمر الرسول [ ص ] بالإعراض عن المشركين , فقد وجه المؤمنين إلى أن يكون هذا الإعراض في أدب , وفي وقار , وفي ترفع , يليق بالمؤمنين . . لقد أمروا ألا يسبوا آلهة المشركين مخافة أن يحمل هذا أولئك المشركين على سب الله سبحانه - وهم لا يعلمون جلال قدره وعظيم مقامه - فيكون سب المؤمنين لآلهتهم المهينة الحقيرة ذريعة لسب الله الجليل العظيم:
(ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم . كذلك زينا لكل أمة عملهم . ثم إلى ربهم مرجعهم , فينبئهم بما كانوا يعملون).
إن الطبيعة التي خلق الله الناس بها , أن كل من عمل عملا , فإنه يستحسنه , ويدافع عنه ! فإن كان يعمل الصالحات استحسنها ودافع عنها . وإن كان يعمل السيئات استحسنها ودافع عنها . وإن كان على الهدى رآه حسنا , وإن كان على الضلال رآه حسنا كذلك ! فهذه طبيعة في الإنسان . . وهؤلاء يدعون من دون الله شركاء . . مع علمهم وتسليمهم بأن الله هو الخالق الرازق . . ولكن إذا سب المسلمون آلهتهم هؤلاء اندفعوا وعدوا عما يعتقدونه من ألوهية الله , دفاعا عما زين لهم من عبادتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وتقاليدهم ! . .
فليدعهم المؤمنون لما هم فيه:
(ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون). .
وهو أدب يليق بالمؤمن , المطمئن لدينه , الواثق من الحق الذي هو عليه . الهادىء القلب , الذي لا يدخل فيما لا طائل وراءه من الأمور . فإن سب آلهتهم لا يؤدي بهم إلى الهدى ولا يزيدهم إلا عنادا . فما للمؤمنين وهذا الذي لا جدوى وراءه . وإنما قد يجرهم إلى سماع ما يكرهون . من سب المشركين لربهم الجليل العظيم ?!
الدرس العاشر:109 - 110 طلب المشركين لمعجزات مادية والرد عليهم
وأخيرا يختم هذا الدرس , الذي استعرض فيه صفحة الوجود الحافلة بالآيات والخوارق , في كل لحظة من ليل أو نهار . . يختمه بأن هؤلاء المشركين يقسمون بالله جهد أيمانهم أن لو جاءتهم آية - أي خارقة مادية كخوارق الرسل السابقة - ليؤمنن بها ! الأمر الذي جعل بعض المسلمين حين سمعوا أيمانهم يقترحون على رسول