|
في ظلال القرآن
الكريم
الأنعام من الاية 11 الى الاية 11 قُلْ سöيرُواْ فöي الأَرْضö ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقöبَةُ الْمُكَذّöبöينَ (11)
مطردة تتحقق آثارها كلما تحققت أسبابها - بإذن الله - ويستطيع الناس ملاحظتها ; وبناء تصوراتهم للمقدمات والنتائج عليها ; ومعرفة مراحلها وأطوارها . . كان هذا المنهج برمته في تفسير التاريخ شيئا جديدا على العقل البشري كله في ذلك الزمان . إذ كان قصارى ما يروى من التاريخ وما يدون من الأخبار , مجرد مشاهدات أو روايات عن الأحداث والعادات والناس ; لا يربط بينها منهج تحليلي أو تكويني يحدد الترابط بين الأحداث , كما يحدد الترابط بين المقدمات والنتائج , وبين المراحل والأطوار . . فجاء المنهج القرآني ينقل البشرية إلى هذا الأفق ; ويشرع لهم منهج النظر في أحداث التاريخ الإنساني . وهذا المنهج ليس مرحلة في طرائق الفكر والمعرفة . إنما هو "المنهج" . . هو الذي يملك وحده إعطاء التفسير الصحيح للتاريخ الإنساني . والذين يأخذهم الدهش والعجب للنقلة الهائلة التي انتقل إليها العرب في خلال ربع قرن من الزمان على عهد الرسالة المحمدية , وهي فترة لا تكفي إطلاقا لحدوث تطور فجائي في الأوضاع الاقتصادية , سيرتفع عنهم الدهش ويزول العجب , لو أنهم حولوا انتباههم من البحث في العوامل الاقتصادية ; ليبحثوا عن السر في هذا المنهج الرباني الجديد , الذي جاءهم به محمد [ ص ] من عند الله العليم الخبير . . ففي هذا المنهج تكمن المعجزة , وفي هذا المنهج يكمن السر الذي يبحثون عنه طويلا عند الإله الزائف الذي أقامته المادية حديثا . . إله الاقتصاد . . وإلا فأين هو التحول الاقتصادي المفاجئ في الجزيرة العربية ; الذي ينشى ء من التصورات الاعتقادية ونظام الحكم , ومناهج الفكر , وقيم الأخلاق , وآماد المعرفة , وأوضاع المجتمع , كل هذا الذي نشأ في ربع قرن من الزمان ?! إن هذه اللفتة: (قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين). إلى جانب اللفتة التي جاءت في صدر هذه الموجة من قوله تعالى:(ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم , وأرسلنا السماء عليهم مدرارا , وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم , فأهلكناهم بذنوبهم , وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين). . إلى جانب أمثالها في هذه السورة وفي القرآن كله لتؤلف جانبا من منهج جديد جدة كاملة على الفكر البشري . وهو منهج باق . ومنهج كذلك فريد . . الوحدة الثالثة:12 - 19 الموضوع:حقيقة الألوهية من خلال الملكية والفاعلية موضوع الوحدة هذه الموجة الجديدة ذات المد العالي والإيقاع الرهيب , تجيء في أعقاب الحديث عن التكذيب والإعراض والسخرية والاستهزاء ; وما ختم به هذا الحديث وما تخلله من التهديد المخيف ; مع توجيه الأنظار والقلوب إلى الاعتبار بمصارع المكذبين المستهزئين . . كما أنها تجيء بعد موجة الافتتاح السابقة للحديث عن المكذبين ; والتي عرضت حقيقة الألوهية في المجال الكوني العريض ; وفي المجال الإنساني العميق . وهي كذلك تعرض حقيقة الألوهية في مجالات أخرى , بإيقاعات جديدة ; ومع مؤثرات كذلك جديدة . . فيقع الحديث عن التكذيب بين موجة الافتتاح وهذه الموجة ; ويبدو أمره في غاية النكارة وفي غاية البشاعة ! ولقد عرضت الموجة الأولى حقيقة الألوهية ممثلة في خلق السماوات والأرض , وجعل الظلمات والنور , وخلق الإنسان من طين , وقضاء الأجل الأول لعمره , وتسمية الأجل الثاني لبعثه . مقررة شمول ألوهية الله للسماوات وللأرض , وإحاطة علمه بسر الناس وجهرهم وما يكسبونه في السر والجهر . . كل أولئك لا لمجرد التقرير اللاهوتي أو الفلسفي النظري السلبي . ولكن لتقرير مقتضيات هذه الحقائق في الحياة الإنسانية . من إسلامها بجملتها لله وحده , لا تعدل به أحدا , ولا تمتري في هذه الوحدانية . ومن إقرارها بشمول الألوهية لشئون الكون ولشئون الحياة الإنسانية في السر والجهر . ومن ترتيب النتائج الطبيعية لهذه الحقائق في الاستسلام لحاكمية الله وحده في شؤون الحياة الأرضية كالاستسلام لهذه الحاكمية في الشؤون الكونية . . فأما هذه الموجة الجديدة فتستهدف كذلك إبراز حقيقة الألوهية , ممثلة في الملك والفاعلية , وفي الرزق والكفالة ; وفي القدرة والقهر ; وفي النفع والضر . . كل ذلك لا لمجرد التقرير اللاهوتي أو الفلسفي النظري السلبي . . ولكن لتقرير مقتضيات هذه الحقائق من توحيد الولاية والتوجه ; وتوحيد الاستسلام والعبودية . . واعتبار الولاية والتوجه مظهر الاستسلام والعبودية . فإذا أمر رسول الله [ ص ] أن يستنكر أن يتخذ غير الله وليا ; بين أن هذا الاستنكار قائم أولا على أن الله يطعم ولا يطعم ; وقائم ثانيا على أن تولي غير الله نقض لما أمر به من الإسلام وعدم الشرك أيضا . . ويصاحب عرض حقيقة الألوهية , في هذه الصورة ولهذا الغرض , جملة مؤثرات قوية تخلخل القلوب . تبدأ بعرض حقيقة الملكية لكل شيء . وحقيقة أن الله هو الذي يطعم ولا يطعم . وعرض العذاب الرعيب الذي يعد مجرد صرفه رحمة من الله وفوزا عظيما . وعرض القدرة على الضر والخير . وعرض الاستعلاء والقهر . وعرض الحكمة والخبرة . . ثم الإيقاع الرهيب المزلزل , المتمثل في الأمر العلوي الهائل:قل . قل . قل: فإذا تم هذا العرض بكل مؤثراته العميقة , جاء الختام بالإيقاع العالي المجلجل . . إيقاع الإشهاد على التوحيد , وإنكار الشرك , والمفاصلة الحاسمة ; مصحوبا كذلك بالأمر العلوي في كل فاصلة: (قل:أي شيء أكبر شهادة ?). . (قل:الله). . (قل:لا أشهد). . (قل:إنما هو إله واحد). . مما يضفي على الجو كله رهبة غامرة ; ويضفي على الأمر كله طابع جد مرهوب ! الدرس الأول:12 شمول ملكية الله للزمان والمكان (قل:لمن ما في السماوات والأرض ? قل لله , كتب على نفسه الرحمة , ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه , الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون . وله ما سكن في الليل والنهار , وهو السميع العليم). . إنه موقف المواجهة للبيان والتقرير , ثم المفاصلة . . ومن ثم يبدأ بتوجيه الرسول [ ص ] لهذه المواجهة . مواجهة المشركين - الذين يعرفون أن الله هو الخالق ثم يعدلون به من لا يخلق ; فيجعلون له شركاء مع الله في تصريف حياتهم - مواجهتهم بالسؤال عن الملكية - بعد الخلق - لكل ما في السماوات والأرض , مسقصيا بهذا السؤال حدود الملكية في المكان: (ما في السماوات والأرض). . مع تقرير الحقيقة التي لم يكونوا هم يجادولن فيها ; والتي حكى القرآن في مواضع إقرارهم الكامل بها: (قل:لمن ما في السماوات والأرض ? قل:لله). . ولقد كان العرب في جاهليتهم - على كل ما في هذه الجاهلية من ضلال في التصور ينشأ عنه انحطاط في الحياة - أرقى - في هذا الجانب - من الجاهلية "العلمية " الحديثة , التي لا تعرف هذه الحقيقة , والتي تغلق فطرتها وتعطلها دون رؤية هذه الحقيقة ! كانوا يعرفون ويقررون أن لله ما في السماوات والأرض . ولكنهم ما كانوا يرتبون على هذه الحقيقة نتائجها المنطقية ; بإفراد الله سبحانه بالحاكمية فيما يملك , وعدم التصرف فيه إلا بإذن الله وحده وشرعه . . وبهذا اعتبروا مشركين , وسميت حياتهم بالجاهلية ! فكيف بمن يخرجون الحاكمية في أمرهم كله من اختصاص الله سبحانه ; ويزاولونها هم بأنفسهم ?! بماذا يوصفون وبماذا توصف حياتهم ? لا بد من إعطائهم صفة أخرى غير الشرك . . فهو الكفر والظلم والفسق كما يقرر الله سبحانه . . أيا كانت دعواهم في الإسلام وأيا كانت الصفة التي تعطيها لهم شهادات الميلاد ! ونعود إلى الآية . لنجد السياق يلحق بهذا التقرير لملكية الله - سبحانه - لما في السماوات وما في الأرض , أنه - سبحانه: (كتب على نفسه الرحمة). . فهو سبحانه المالك , لا ينازعه منازع , ولكنه - فضلا منه ومنة - كتب على نفسه الرحمة . كتبها بإرادته ومشيئته ; لا يوجبها عليه موجب ولا يقترحها عليه مقترح ; ولا يقتضيها منه مقتض - إلا إرادته الطليقة وإلا ربوبيته الكريمة - وهي - الرحمة - قاعدة قضائه في خلقه , وقاعدة معاملته لهم في الدنيا والآخرة . . والاعتقاد إذن بهذه القاعدة يدخل في مقومات التصور الإسلامي , فرحمة الله بعباده هي الأصل , حتى في ابتلائه لهم أحيانا بالضراء . فهو يبتليهم ليعد طائفة منهم بهذا الابتلاء لحمل أمانته , بعد الخلوص والتجرد والمعرفة والوعي والاستعداد والتهيؤ عن طريق هذا الابتلاء ; وليميز الخبيث من الطيب في الصف , وليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ; وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة . . والرحمة في هذا كله ظاهرة . . السابق - التالي
|