يشتهون أن لو يجيبهم الله إلى ما يطلبون ! ويقترحون على رسول الله [ ص ] أن يسأل ربه هذه الآيات التي يقترحها المقترحون ! والفقرة كلها جاءت هكذا:
وأقسموا بالله جهد أيمانهم:لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها . قل:إنما الآيات عند الله . وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ? ونقلب أفئدتهم وأبصارهم - كما لم يؤمنوا به أول مرة - ونذرهم في طغيانهم يعمهون . . ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة , وكلمهم الموتى , وحشرنا عليهم كل شيء قبلا , ما كانوا ليؤمنوا - إلا أن يشاء الله - ولكن أكثرهم يجهلون . .
ولقد سبق الحديث عن هذه الآيات في نهاية الجزء السابع . فالآن نتحدث عن الحقائق العامة التي تتناولها هذه النصوص ; والتي لم نتعرض لها هناك في تفسيرها:
والحقيقة الأولى:هي أن الإيمان أو الكفر . والهدى أو الضلال . . . لا تتعلق بالبراهين والأدلة على الحق . فالحق هو برهان ذاته . وله من السلطان على القلب البشري ما يجعله يقبله ويطمئن إليه ويرضخ له . . ولكنها المعوقات الأخرى هي التي تحول بين القلب والحق , وهذه المعوقات يقول الله - سبحانه - للمؤمنين بشأنها: وما يشعركم أنها إذا جاءت [ أي الآيات والخوارق ] لا يؤمنون ? ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة , ونذرهم في طغيانهم يعمهون . .
فما وقع لهم في أول مرة ومنعهم من الهدى , يمكن أن يتكرر وقوعه كذلك - بعد نزول الآية - فيمنعهم من الهدى كرة أخرى . .
إن موحيات الإيمان كامنة في القلب ذاته ; وفي الحق كذلك بذاته ; وليست متعلقة بعوامل خارجية . . فيجب أن تتجه المحاولة إذن إلى ذلك القلب لعلاجه من آفاته ومن معوقاته . .
والحقيقة الثانية:هي أن مشيئة الله هي المرجع الأخير في أمر الهدى والضلال . فقد اقتضت هذه المشيئة أن تبتلي البشر بقدر من حرية الاختيار والتوجه في الابتداء ; وجعل هذا القدر موضع ابتلاء للبشر وامتحان . فمن استخدمه في الاتجاه القلبي إلى الهدى والتطلع إليه والرغبة فيه - وإن كان لا يعلم حينئذ أين هو - فقد اقتضت مشيئة الله أن يأخذ بيده ويعينه ويهديه إلى سبيله . ومن استخدمه في الرغبة عن الهدى والصدود عن دلائله وموحياته , فقد اقتضت مشيئة الله أن يضله وأن يبعده عن الطريق وأن يدعه يتخبط في الظلمات . . وإرادة الله وقدره محيطان بالبشر في كل حالة , ومرد الأمر كله إليه في النهاية .
وهذه الحقيقة يشير إليها السياق في قوله تعالى:(ونقلب أفئدتهم وأبصارهم - كما لم يؤمنوا به أول مرة - ونذرهم في طغيانهم يعمهون).
وفي قوله:(ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى , وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً , ما كانوا ليؤمنوا - إلا أن يشاء الله - ولكن أكثرهم يجهلون). .
كما يشير إليها في آية سابقة على هذه الفقرة في سياق السورة قوله تعالى:(اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين . ولو شاء الله ما أشركوا . وما جعلناك عليهم حفيظاً , وما أنت عليهم بوكيل). .