ثم يسألهم:وما لهم في الامتناع من الأكل مما ذكر اسم الله عليه , وقد جعله الله لهم حلالا ? وقد بين لهم الحرام الذي لا يأكلونه إلا اضطراراً ? فانتهى بهذا البيان كل قول في حله وحرمته ; وفي الأكل منه أو تركه ?
(وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ?). .
ولما كانت هذه النصوص تواجه قضية حاضرة إذ ذاك في البيئة , حيث كان المشركون يمتنعون من ذبائح أحلها الله ; ويحلون ذبائح حرمها الله - ويزعمون أن هذا هو شرع الله ! - فإن السياق يفصل في أمر هؤلاء المشترعين المفترين على الله , فيقرر أنهم إنما يشرعون بأهوائهم بغير علم ولا اتباع , ويضلون الناس بما يشرعونه لهم من عند أنفسهم , ويعتدون على ألوهية الله وحاكميته بمزاولتهم لخصائص الألوهية وهم عبيد:
(وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم . . إن ربك هو أعلم بالمعتدين). .
ويأمرهم بأن يتركوا الإثم كله - ظاهره وخافيه - ومنه هذا الذي يزاولونه من إضلال الناس بالهوى وبغير علم ; وحملهم على شرائع ليست من عند الله , وافتراء أنها شريعة الله ! ويحذرهم مغبة هذا الإثم الذي يقترفونه:
(وذروا ظاهر الإثم وباطنه . إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون). .
ثم ينهى عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح التي كانوا يذكرون عليها أسماء آلهتهم ; أو ينحرونها للميسر ويستقسمونها بالأزلام ; أو من الميتة التي كانوا يجادلون المسلمين في تحريمها , يزعمون أن الله ذبحها ! فكيف يأكل المسلمون مما ذبحوا بأيديهم , ولا يأكلون مما ذبح الله ?! وهو تصور من تصورات الجاهلية التي لا حد لسخفها وتهافتها في جميع الجاهليات ! وهذا ما كانت الشياطين - من الإنس والجن - توسوس به لأوليائها ليجادلوا المسلمين فيه من أمر هذه الذبائح مما تشير إليه الآيات:
(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه - وإنه لفسق - وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم . . وإن أطعتموهم إنكم لمشركون . .). .
وأمام هذا التقرير الأخير نقف , لنتدبر هذا الحسم وهذه الصراحة في شأن الحاكمية والطاعة والاتباع في هذا الدين . .
إن النص القرآني لقاطع في أن طاعة المسلم لأحد من البشر في جزئية من جزئيات التشريع التي لا تستمد من شريعة الله , ولا تعتمد على الاعتراف له وحده بالحاكمية . . أن طاعة المسلم في هذه الجزئية تخرجه من الإسلام لله , إلى الشرك بالله .
وفي هذا يقول ابن كثير:
"وقوله تعالى: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون). . أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه , إلى قول غيره , فقدمتم عليه غيره . . فهذا هو الشرك . . كقوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله). . الآية . وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال:يا رسول الله ما عبدوهم . فقال:" بلى ! إنهم أحلوا لهم الحرام , وحرموا عليهم الحلال . فاتبعوهم , فذلك عبادتهم إياهم " .
كذلك روى ابن كثير عن السدي في قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله . . .)
الآية قوله:[ استنصحوا الرجال , ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم . ولهذا قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا