هذا المقطع بجملته ليس منفصلاً عن الدرس السابق . إنما هو امتداد له . من جنس الموجات المتعاقبة التي يتضمنها . . فهو من ناحية استطراد في بيان مصائر شياطين الإنس والجن - بعد ما بين مصير الذين يستقيمون على صراط الله - وهو من ناحية استطراد في قضية الإيمان والكفر التي تذكر في هذا الموضع من السورة بمناسبة قضية الحاكمية والتشريع . وربط لهذه القضية الأخيرة بالحقائق الأساسية في العقيدة الإسلامية ; ومنها حقيقة الجزاء في الآخرة على الكسب في الدنيا - بعد النذارة والبشارة - وحقيقة سلطان الله القادر على الذهاب بالشياطين وأوليائهم وبالناس جميعا واستبدال غيرهم بهم , وحقيقة ضعف البشر جملة أمام بأس الله . وكلها حقائق عقيدية تذكر في معرض الحديث عن التحليل والتحريم في الذبائح - قبلها - ثم يجيء بعدها الحديث في الحلقة التالية عن النذور من الثمار والأنعام والأولاد ; وعن تقاليد الجاهلية وتصوراتها في هذه الشؤون ; فيلتحم الحديث عن هذه القضايا جميعا ; وتبدو في وضعها الطبيعي الذي يضعها فيه هذا الدين . وهي أنها كلها مسائل اعتقادية على السواء . لا فرق بينها في ميزان الله , كما يقيمه في كتابه الكريم .
الدرس الأول:128 - 130 خزي شياطين الإنس والجن يوم القيامة
لقد مضى في الحلقة السابقة حديث عن الذين يشرح الله صدورهم للإسلام ; فتبقى قلوبهم ذاكرة لاتغفل ; وأنهم ماضون إلى دار السلام , منتهون إلى ولاية ربهم وكفالته . . فالآن يعرض الصفحة المقابلة في المشهد - على طريقة القرآن الغالبة في عرض "مشاهد القيامة " - يعرض شياطين الإنس والجن , الذين قضوا الحياة يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً وخداعاً وإضلالاً ; ويقف بعضهم بمساندة بعض عدوا لكل نبي ; ويوحي بعضهم إلى بعض ليجادلوا المؤمنين في ما شرعه الله لهم من الحلال والحرام . . يعرضهم في مشهد شاخص حي , حافل بالحوار والاعتراف والتأنيب والحكم والتعقيب , فائض بالحياة التي تزخر بها مشاهد القيامة في القرآن .
(ويوم يحشرهم جميعا:يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ! وقال أولياؤهم من الإنس:ربنا استمتع بعضنا ببعض , وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ! قال:النار مثواكم خالدين فيها - إلا ما شاء الله - إن ربك حكيم
عليم . . وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون . . يا معشر الجن والإنس , ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي , وينذرونكم لقاء يومكم هذا ? قالوا:شهدنا على أنفسنا ! وغرتهم الحياة الدنيا , وشهدوا على انفسهم أنهم كانوا كافرين). . إن المشهد يبدأ معروضاً في المستقبل , يوم يحشرهم جميعا . . ولكنه يستحيل واقعا للسامع يتراءى له مواجهة . وذلك بحذف لفظة واحدة في العبارة . فتقدير الكلام , (ويوم يحشرهم جميعا)- فيقول - (يا معشر الجن والإنس . . .)ولكن حذف كلمة - يقول - ينتقل بالتعبير المصور نقلة بعيدة ; ويحيل السياق من مستقبل ينتظر , إلى واقع ينظر ! وذلك من خصائص التصوير القرآني العجيب . . .
فلنتابع المشهد الشاخص المعروض:
(يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس !). .
استكثرتم من التابعين لكم من الإنس , المستمعين لإيحائكم , المطيعين لوسوستكم , المتبعين لخطواتكم . . وهو إخبار لا يقصد به الإخبار فالجن يعلمون أنهم قد استكثروا من الإنس ! إنما يقصد به تسجيل الجريمة - جريمة إغواء هذا الحشد الكبير الذي نكاد نلمحه في المشهد المعروض ! - ويقصد به التأنيب على هذه الجريمة التي تتجمع قرائنها الحية في هذا الحشد المحشود ! لذلك لا يجيب الجن على هذا القول بشيء . . ولكن الأغرار الأغمار من الإنس المستخفين بوسوسة الشياطين يجيبون:
(وقال أولياؤهم من الإنس:ربنا استمتع بعضنا ببعض , وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا !). .
وهو جواب يكشف عن طبيعة الغفلة والخفة في هؤلاء الأتباع ; كما يكشف عن مدخل الشيطان إلى نفوسهم في دار الخداع . . لقد كانوا يستمتعون بإغواء الجن لهم وتزيينه ما كان يزين لهم من التصورات والأفكار , ومن المكابرة والاستهتار , ومن الإثم ظاهره وباطنه ! فمن منفذ الاستمتاع دخل إليهم الشيطان ! وكانت الشياطين تستمتع بهؤلاء الأغرار الأغفال . . كانت تستهويهم وتعبث بهم ; وتسخرهم لتحقيق هدف إبليس في عالم الإنس ! وهؤلاء الأغرار المستخفون يحسبون أنه كان استمتاعا متبادلا , وأنهم كانوا يمتعون فيه ويتمتعون ! ومن ثم يقولون:
(ربنا استمتع بعضنا ببعض !). .
ودام هذا المتاع طوال فترة الحياة , حتى حان الأجل , الذي يعلمون اليوم فقط أن الله هو الذي أمهلهم إليه ; وأنهم كانوا في قبضته في أثناء ذلك المتاع:
(وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا)!
عند ذلك يجيء الحكم الفاصل , بالجزاء العادل:
(قال:النار مثواكم خالدين فيها - إلا ما شاء الله -)
فالنار مثابة ومأوى . والمثوى للإقامة . وهي إقامة الدوام . . (إلا ما شاء الله)لتبقى صورة المشيئة الطليقة هي المسيطرة على التصور الاعتقادي . فطلاقة المشيئة الإلهية قاعدة من قواعد هذا التصور . والمشيئة لا تنحبس ولا تتقيد . ولا في مقرراتها هي .
(إن ربك حكيم عليم).