يمضي قدره بالناس عن حكمة وعن علم ; ينفرد بهما الحكيم العليم . .
وقبل استئناف الحوار لإتمام المشهد , يتحول السياق للتعقيب على شطر المشهد المنتهي:
(وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون). .
بمثل هذا الذي قام بين الجن والإنس من ولاء ; وبمثل ما انتهى إليه هذا الولاء من مصير . . بمثل ذلك , وعلى قاعدته , نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون . نجعل بعضهم أولياء بعض ; بحكم ما بينهم من تشابه في الطبع والحقيقة ; وبحكم ما بينهم من اتفاق في الوجهة والهدف , وبحكم ما ينتظرهم من وحدة في المصير . .
وهو تقرير عام أبعد مدى من حدود المناسبة التي كانت حاضرة , إنه يتناول طبيعة الولاء بين الشياطين من الإنس والجن عامة . فإن الظالمين - وهم الذين يشركون بالله في صورة من الصور - يتجمع بعضهم إلى بعض في مواجهة الحق والهدى ; ويعين بعضهم بعضا في عداء كل نبي والمؤمنين به . إنهم فضلا على أنهم من طينة واحدة - مهما اختلفت الأشكال - هم كذلك أصحاب مصلحة واحدة , تقوم على اغتصاب حق الربوبية على الناس , كما تقوم على الانطلاق مع الهوى بلا قيد من حاكمية الله . .
ونحن نراهم في كل زمان كتلة واحدة يساند بعضهم بعضا - على ما بينهم من خلافات وصراع على المصالح - إذا كانت المعركة مع دين الله ومع أولياء الله . . فبحكم ما بينهم من اتفاق في الطينة , واتفاق في الهدف يقوم ذلك الولاء . . وبحكم ما يكسبون من الشر والإثم تتفق مصائرهم في الآخرة على نحو ما رأينا في المشهد المعروض !
وإننا لنشهد في هذه الفترة - ومنذ قرون كثيرة - تجمعا ضخما لشياطين الإنس من الصليبين والصهيونيين والوثنيين والشيوعيين - على اختلاف هذه المعسكرات فيما بينها - ولكنه تجمع موجه إلى الإسلام , وإلى سحق طلائع حركات البعث الإسلامي في الأرض كلها .
وهو تجمع رهيب فعلا , تجتمع له خبرة عشرات القرون في حرب الإسلام , مع القوى المادية والثقافية , مع الأجهزة المسخرة في المنطقة ذاتها للعمل وفق أهداف ذلك التجمع وخططه الشيطانية الماكرة . . وهو تجمع يتجلى فيه قول الله سبحانه:(وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون). . كما ينطبق عليه تطمين الله لنبيه - [ ص ]: (ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون). . ولكن هذا التطمين يقتضي أن تكون هناك العصبة المؤمنة التي تسير على قدم رسول الله [ ص ] وتعلم أنها تقوم مقامه في هذه المعركة المشبوبة على هذا الدين , وعلى المؤمنين . .
ثم نعود مع السياق إلى شطر المشهد الأخير:
(يا معشر الجن والإنس , ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي , وينذرونكم لقاء يومكم هذا ? قالوا شهدنا على أنفسنا , وغرتهم الحياة الدنيا , وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين). .
وهو سؤال للتقرير والتسجيل . فالله - سبحانه - يعلم ما كان من أمرهم في الحياة الدنيا . والجواب عليه إقرار منهم باستحقاقهم هذا الجزاء في الآخرة . .
والخطاب موجه إلى الجن كما هو موجه إلى الإنس . . فهل أرسل الله إلى الجن رسلا منهم كما أرسل إلى الإنس ? الله وحده يعلم شأن هذا الخلق المغيب عن البشر . ولكن النص يمكن تأويله بأن الجن كانوا يسمعون