ما أنزل على الرسل , وينطلقون إلى قومهم منذرين به . كالذي رواه القرآن الكريم من أمر الجن في سورة الأحقاف: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن . فلما حضروه قالوا:أنصتوا . فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين . قالوا:يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه , يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم . يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به , يغفر لكم من ذنوبكم , ويجركم من عذاب أليم . ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض , وليس له من دونه أولياء . أولئك في ضلال مبين . . فجائز أن يكون السؤال والجواب للجن مع الإنس قائمين على هذه القاعدة . . والأمر كله مما اختص الله سبحانه بعلمه والبحث فيما وراء هذا القدر لا طائل وراءه ! وعلى أية حال فقد أدرك المسؤولون من الجن والإنس , أن السؤال ليس على وجهه . إنما هو سؤال للتقرير والتسجيل ; كما أنه للتأنيب والتوبيخ ; فأخذوا في الاعتراف الكامل ; وسجلوا على أنفسهم استحقاقهم لما هم فيه:
(قالوا:شهدنا على أنفسنا):
وهنا يتدخل المعقب على المشهد ليقول:
(وغرتهم الحياة الدنيا ; وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين);
وهو تعقيب لتقرير حقيقة حالهم في الدنيا . فقد غرتهم هذه الحياة ; وقادهم الغرور إلى الكفر . ثم ها هم أولاء يشهدون على أنفسهم به ; حيث لا تجدي المكابرة والإنكار . . فأي مصير أبأس من أن يجد الإنسان نفسه في هذا المأزق , الذي لا يملك أن يدفع عن نفسه فيه , ولا بكلمة الإنكار ! ولا بكلمة الدفاع !
ونقف لحظة أمام الأسلوب القرآني العجيب في رسم المشاهد حاضرة ; ورد المستقبل المنظور واقعاً مشهوداً ; وجعل الحاضر القائم ماضياً بعيداً !
إن هذ القرآن يتلى على الناس في هذه الدنيا الحاضرة ; وفي هذه الأرض المعهودة . ولكنه يعرض مشهد الآخرة كأنه حاضر قريب ; ومشهد الدنيا كأنها ماض بعيد ! فننسى أن ذلك مشهد سيكون يوم القيامة ; ونستشعر أنه أمامنا اللحظة ماثل ! وأنه يتحدث عن الدنيا التي كانت كما يتحدث عن التاريخ البعيد !
(وغرتهم الحياة الدنيا , وشهدوا على أنفسهم أنهم - كانوا - كافرين). .
وذلك من عجائب التخييل !
الدرس الثاني:131 - 132 سنة الله في الثواب والعقاب
وعلى ختام المشهد يلتفت السياق بالخطاب إلى رسول الله [ ص ] ومن وراءه من المؤمنين ; وإلى الناس أجمعين ; ليعقب على هذا الحكم الصادر بجزاء الشياطين من الإنس والجن ; وبإحالة هذا الحشد الحاشد إلى النار ; وعلى إقرارهم بأن الرسل قد جاءت إليهم , تقص عليهم آيات الله , وتنذرهم لقاء يومهم هذا . . ليعقب على هذا المشهد وما كان فيه , بأن عذاب الله لا ينال أحدا إلا بعد الإنذار ; وأن الله لا يأخذ العباد بظلمهم [ أي بشركهم ] إلا بعد أن ينبهوا من غفلتهم ; وتقص عليهم الآيات , وينذرهم المنذرون:
(ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى - بظلم - وأهلها غافلون). .
لقد اقتضت رحمة الله بالناس ألا يؤاخذهم على الشرك والكفر حتى يرسل إليهم الرسل , على الرغم مما أودعه فطرتهم من الاتجاه إلى ربها - فقد تضل هذه الفطر - وعلى الرغم مما أعطاهم من قوة العقل والإدراك -