فالعقل قد يضل تحت ضغط الشهوات - وعلى الرغم مما في كتاب الكون المفتوح من آيات - فقد تتعطل أجهزة الاستقبال كلها في الكيان البشري . لقد ناط بالرسل والرسالات مهمة استنقاذ الفطرة من الركام لا واستنقاذ العقل من الانحراف , واستنقاذ البصائر والحواس من الانطماس . وجعل العذاب مرهونا بالتكذيب والكفر بعد البلاغ والإنذار .
وهذه الحقيقة كما أنها تصور رحمة الله بهذا الإنسان وفضله , كذلك تصور قيمة المدارك البشرية من فطرة وعقل ; وتقرر أنها - وحدها - لا تعصم من الضلال , ولا تهدي إلى يقين , ولا تصبر على ضغط الشهوات . .
ما لم تساندها العقيدة وما لم يضبطها الدين . .
ثم يقرر السياق حقيقة أخرى في شأن الجزاء . . للمؤمنين وللشياطين سواء:
(ولكل درجات مما عملوا . وما ربك بغافل عما يعملون). .
فللمؤمنين درجات:درجة فوق درجة . وللشياطين درجات:درجة تحت درجة ! وفق الأعمال . والأعمال مرصودة لا يغيب منها شيء: (وما ربك بغافل عما يعملون).
الدرس الثالث:133 - 135 غنى الله عن المخلوقين وقدرته النافذة فيهم
على أن الله - سبحانه - إنما يرسل رسله رحمة بالعباد ; فهو غني عنهم ; وعن إيمانهم به وعبادتهم له . وإذا أحسنوا فإنما يحسنون لأنفسهم في الدنيا والآخرة . كذلك تتجلى رحمته في الإبقاء على الجيل العاصي الظالم المشرك , وهو القادر على أن يهلكه , وينشئ جيلا آخر يستخلفه:
(وربك الغني ذو الرحمة . إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء . كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين).
فلا ينس الناس أنهم باقون برحمة الله ; وأن بقاءهم معلق بمشيئة الله ; وأن ما في أيديهم من سلطان إنما خولهم الله إياه . فليس هو سلطاناً أصيلاً , ولا وجودا مختارا . فما لأحد في نشأته ووجوده من يد ; وما لأحد فيما أعطيه من السلطان من قدرة . وذهابهم واستخلاف غيرهم هين على الله . كما أنه أنشأهم من ذرية جيل غبر . واستخلفوا هم من بعده بقدر من الله .
إنها طرقات قوية وإيقاعات عنيفة على قلوب الظالمين من شياطين الإنس والجن الذين يمكرون ويتطاولون , ويحرمون ويحللون , ويجادلون في شرع الله بما يشرعون . . وهم هكذا في قبضة الله يبقيهم كيف شاء , ويذهب بهم أنى شاء , ويستخلف من بعدهم ما يشاء . . كما أنها ايقاعات من التثبيت والطمأنينة والثقة في قلوب العصبة المسلمة , التي تلقى العنت من كيد الشياطين ومكرهم ; ومن أذى المجرمين وعدائهم . . فهؤلاء هم في قبضة الله ضعافا حتى وهم يتجبرون في الأرض ويمكرون !
ثم إيقاع تهديدي آخر:
(إن ما توعدون لآت , وما أنتم بمعجزين)
إنكم في يد الله وقبضته , ورهن مشيئته وقدره . فلستم بمفلتين أو مستعصين . . ويوم الحشر الذي شاهدتم