|
في ظلال القرآن
الكريم
الأنعام من الاية 135 الى الاية 135 قُلْ يَا قَوْمö اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتöكُمْ إöنّöي عَامöلñ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقöبَةُ الدّöارö إöنَّهُ لاَ يُفْلöحُ الظَّالöمُونَ (135)
منه مشهدا منذ لحظة ينتظركم ; وإنه لآت لا ريب فيه , ولن تفلتوا يومها , ولن تعجزوا الله القوي المتين . وتنتهي التعقيبات بتهديد آخر ملفوف , عميق الإيحاء والتأثير في القلوب:(قل:يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل , فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار , إنه لا يفلح الظالمون). إنه تهديد الواثق من الحق الذي معه , والحق الذي وراءه ; ومن القوة التي في الحق , والقوة التي وراء الحق . . التهديد من الرسول [ ص ] بأنه نافض يديه من أمرهم , واثق مما هو عليه من الحق , واثق من منهجه وطريقه , واثق كذلك مما هم عليه من الضلال , وواثق من مصيرهم الذي هم إليه منتهون: (إنه لا يفلح الظالمون). . فهذه هي القاعدة التي لا تتخلف . . إنه لا يفلح المشركون , الذين يتخذون من دون الله أولياء . وليس من دون الله ولي ولا نصير . والذين لا يتبعون هدى الله . وليس وراءه إلا الضلال البعيد وإلا الخسران المبين . . وقبل أن نمضي مع سياق السورة حلقة جديدة , نقف وقفة سريعة مع هذه الحلقة الوسيطة بين حديث عن تشريع الذبائح - ما ذكر اسم الله عليه وما لم يذكر اسم الله عليه - وحديث عن النذور من الثمار والأنعام والأولاد . . هذه الحلقة التي تضمنت تلك الحقائق الأساسية من حقائق العقيدة البحتة ; كما تضمنت مشاهد وصوراً وتقريرات عن طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر ; وعن المعركة بين الشياطين من الإنس والجن وبين أنبياء الله والمؤمنين بهم , كما تضمنت ذلك الحشد من المؤثرات الموحية التي سبقت نظائرها في سياق السورة وهو يواجه ويعرض حقائق العقيدة الكبرى في محيطها الشامل . . نقف هذه الوقفة السريعة مع هذه الحلقة الوسيطة ; لنرى كم يحفل المنهج القرآني بهذه الواقعيات العملية , وهذه الجزئيات التطبيقية في الحياة البشرية ; وكم يحفل بانطباقها على شريعة الله ; وعلى تقرير الأصل الذي يجب أن تستند إليه ; وهو حاكمية الله . . أو بتعبير آخر ربوبية الله . . فلماذا يحفل المنهج القرآني هكذا بهذه القضية ? يحفل بها لأنها من ناحية المبدأ تلخص قضية "العقيدة في الإسلام ; كما تلخص قضية "الدين" . فالعقيدة في الإسلام تقوم على أساس شهادة:أن لا إله إلا الله . وبهذه الشهادة يخلع المسلم من قلبه ألوهية كل أحد من العباد ويجعل الألوهية لله . ومن ثم يخلع الحاكمية عن كل أحد ويجعل الحاكمية كلها لله . . والتشريع للصغيرة هو مزاولة لحق الحاكمية كالتشريع للكبيرة . فهو من ثم مزاولة لحق الألوهية , يأباه المسلم إلا الله . . والدين في الإسلام هو دينونة العباد في واقعهم العملي - كما هو الأمر في العقيدة القلبية - لألوهية واحدة هي ألوهية الله , ونفض كل دينونة في هذا الواقع لغير الله من العباد المتألهين ! والتشريع هو مزاولة للألوهية , والخضوع للتشريع هو الدينونة لهذه الألوهية . . ومن ثم يجعل المسلم دينونته في هذا لله وحده ; ويخلع ويرفض الدينونة لغير الله من العباد المتألهين ! من هنا ذلك الاحتفال كله في القرآن كله بتقرير هذه الأصول الاعتقادية , والاتكاء عليها على هذا النحو الذي نرى صورة منه في سياق هذه السورة المكية . . والقرآن المكي - كما أسلفنا في التقديم لهذه السورة في الجزء السابع - لم يكن يواجه قضية النظام والشرائع في حياة الجماعة المسلمة ; ولكنه كان يواجه قضية العقيدة والتصور . ومع هذا فإن السورة تحفل هذا الاحتفال بتقرير هذا الأصل الاعتقادي في موضوع الحاكمية . . ولهذا دلالته العميقة الكبيرة . . الوحدة السادسة عشرة:136 - 153 الموضوع:ربط الحاكمية بالعقيدة وإنكار حاكمية الجاهلية مقدمة الوحدة هذا الشوط الطويل كله - بالإضافة إلى الشوط الذي سبقه والتعقيبات عليه - في سياق سورة مكية , من القرآن المكي الذي كان موضوعه هو العقيدة ; والذي لم يتعرض لشيء من الشريعة - إلا ما يختص بتأصيل أصلها الاعتقادي - حيث لم تكن للإسلام دولة تنفذ شريعته ; فصان الله هذه الشريعة أن تصبح حديث ألسن , وموضوعات دراسة ; قبل أن يهيىء لها المجتمع الذي يدخل في السلم كافة , ويسلم نفسه لله جملة , ويعبد الله بالطاعة لشريعته في وقبل أن يهيىء لها الدولة ذات السلطان , التي تحكم بهذه الشريعة بين الناس فعلا ; وتجعل معرفة الحكم مقرونة بتنفيذه , كما هي طبيعة هذا الدين , وكما هو منهجه , الذي يكفل له الجدية والحرارة والوقار . . نقول:هذا الشوط الطويل كله في سورة مكية ; يتناول قضية التشريع والحاكمية . فيدل على طبيعة هذه السابق - التالي
|