|
في ظلال القرآن
الكريم
الأنعام من الاية 138 الى الاية 139 وَقَالُواْ هَِذöهö أَنْعَامñ وَحَرْثñ حöجْرñ لاَّ يَطْعَمُهَا إöلاَّ مَن نّشَاء بöزَعْمöهöمْ وَأَنْعَامñ حُرّöمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامñ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهö عَلَيْهَا افْتöرَاء عَلَيْهö سَيَجْزöيهöم بöمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُواْ مَا فöي بُطُونö هَِذöهö الأَنْعَامö خَالöصَةñ لّöذُكُورöنَا وَمُحَرَّمñ عَلَى أَزْوَاجöنَا وَإöن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فöيهö شُرَكَاء سَيَجْزöيهöمْ وَصْفَهُمْ إöنَّهُ حöكöيمñ عَلöيمñ (139)
فينفي وجود الله جملة ويتنكر للدين علانية . إنما يلجأ إلى نفس الأسلوب الذي كان يلجأ إليه الشياطين في جاهلية العرب ! يقولون:إنهم يحترمون الدين ! ويزعمون أن ما يشرعونه للناس له أصل من هذا الدين ! . . إنه أسلوب ألأم وأخبث من أسلوب الشيوعيين الملحدين ! إنه يخدر العاطفة الدينية الغامضة التي لا تزال تعيش في قرارات النفوس - وإن لم تكن هي الإسلام , فالإسلام منهج واضح عملي واقع وليس هذه العاطفة المبهمة الغامضة - ويفرغ الطاقة الفطرية الدينية في قوالب جاهلية لا إسلامية . وهذا أخبث الكيد وألأم الأساليب ! ثم يجيء "المتحمسون" لهذا الدين ; فيفرغون جهدهم في استنكار جزيئات هزيلة على هامش الحقيقة الإسلامية , لا تروق لهم في هذه الأوضاع الجاهلية المشركة , المغتصبة لألوهية الله وسلطانه بالجملة . وبهذه الغيرة الغبية يسبغون على هذه الأوضاع الجاهلية المشركة طابع الإسلام . ويشهدون لها شهادة ضمنية خطيرة بأنها تقوم على أصل من الدين حقاً , ولكنها تخالف عنه في هذه الجزئيات الهزيلة ! ويؤدي هؤلاء المتحمسون دورهم لتثبيت هذه الأوضاع وتطهيرها . وهو نفس الدور الذي تؤديه الأجهزة الدينية المحترفة , التي تلبس مسوح الدين ! وإن كان الإسلام بالذات لا يعرف المسوح ولا ينطق باسمه كاهن ولا سادن ! (وقالوا:هذه أنعام وحرث حجر , لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها - افتراء عليه - سيجزيهم بما كانوا يفترون). . قال أبو جعفر بن جرير الطبري:" وهذا خبر من الله - تعالى ذكره - عن هؤلاء الجهلة من المشركين . إنهم كانوا يحرمون ويحللون من قبل أنفسهم , من غير أن يكون الله أذن لهم بشيء من ذلك " . والحجر:الحرام . . فهؤلاء المعتدون على سلطان الله , الذين يدعون - مع ذلك - أن ما يشرعونه هو شريعة الله , قد عمدوا إلى بعض الزروع وبعض الأنعام , فعزلوها لآلهتهم - كما تقدم - وقالوا:هذه الأنعام وهذه الثمار محرمة عليهم لا يطعمونها . لا يطعمها إلا من شاء الله ! - بزعمهم ! - والذي يقرر ما يقرر في هذا الشأن هم بطبيعة الحال الكهنة والسدنة والرؤساء ! وعمدوا إلى أنعام قيل:إنها هي الأنواع المسماة في آية المائدة: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام فجعلوا ظهورها حراما على الركوب . كما عمدوا إلى أنعام فقالوا:هذه لا يذكر اسم الله عليها عند ركوبها ولا عند حلبها , ولا عند ذبحها . . إنما تذكر أسماء الآلهة وتخلص لها ! كل ذلك (افتراء على الله)! قال أبو جعفر بن جرير:" وأما قوله (افتراء على الله )فإنه يقول:فعل هؤلاء المشركون ما فعلوا من تحريمهم ما حرموا , وقالوا ما قالوا من ذلك , كذباً على الله , وتخرصاً بالباطل عليه , لأنهم أضافوا ما كانوا يحرمون من ذلك , على ما وصفه عنهم جل ثناؤه في كتابه , إلى أن الله هو الذي حرمه , فنفى الله ذلك عن نفسه , وأكذبهم . وأخبر نبيه والمؤمنين أنهم كذبة فيما يدعون " . وهنا كذلك تبدو لنا أساليب الجاهلية , التي تتكرر في معظم الجاهليات , وذلك قبل أن يبلغ التبجح بناس من البشر أن يقولوا بمادية الوجود ! وقبل أن يبلغ التبجح ببعض من لا ينكرون الله البتة , أن يجهروا بأن "الدين" مجرد "عقيدة " وليس نظاماً اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا , يهيمن على الحياة ! وإن كان ينبغي أن ندرك دائماً أن أسلوب الجاهلية التي تقيم نظاماً أرضياً , الحاكمية فيه للبشر لا لله , ثم تزعم أنها تحترم الدين وتستمد منه أوضاعها الجاهلية . . أن ندرك أن هذا الأسلوب هو أخبث الأساليب وأمهرها على الإطلاق ! ولقد عمدت الصليبية العالمية والصهيونية العالمية إلى هذا الأسلوب في المنطقة التي كانت يوما دار إسلام تحكم بشريعة الله . بعدما تبين لها فشل التجربة التركية التي قام بها البطل الذي صنعوه هناك ! . . لقد أدت لهم هذه التجربة دورا هاما في تحطيم الخلافة كآخر مظهر للتجمع الإسلامي في الأرض , ولكنها بعلمانيتها السافرة قد عجزت عن أن تكون نموذجاً يؤثر في بقية المنطقة . لقد انخلعت من الدين , فأصبحت أجنبية عن الجميع , الذين ما يزال الدين عاطفة غامضة في قرارات نفوسهم . . ومن ثم عمدت الصليبية العالمية والصهيونية في التجارب التالية , التي تستهدف نفس الهدف , أن تتدارك غلطة التجربة الكمالية التركية . فتضع على هذه التجارب ستارا من الدين وتقيم له أجهزة دينية تضفي عليه هذه الصفة , سواء بالدعاية المباشرة ; أو باستنكار جزئيات هزيلة يوهم استنكارها أن ما عداها سليم ! وكان هذا من أخبث الكيد الذي تكيده شياطين الإنس والجن لهذا الدين . . على أن الأجهزة الصليبية والصهيونية التي تعمل بكل ثقلها في هذه الفترة , وبكل تضامنها وتجمعها , وبكل تجاربها وخبرتها , تحاول أن تسترد الغلطة في التجربة التركية ذاتها , بأن تزعم أن هذه التجربة ذاتها كانت حركة من حركات البعث الإسلامي ! وأننا يجب ألا نصدقها فيما أعلنته عن نفسها من أنها [ علمانية ] تنبذ الدين وتعزله عن الحياة عزلاً ! ويجهد المستشرقون [ وهم الأداة الفكرية للاستعمار الصليبي الصهيوني ] في تطهير التجربة الكمالية من تهمة الإلحاد جهداً كبيراً . . ذلك أن انكشاف إلحادها جعلها تؤدي دورا محدوداً . . وهو سحق آخر مظهر للتجمع الإسلامي في الأرض . . ولكنها عجزت بعد ذلك أن تؤدي الدور الآخر - الذي تحاول أن تؤديه التجارب التالية في المنطقة - من تفريغ المفهومات الدينية والحماسة الدينية في أوضاع وأشكال جاهلية ! ومن تبديل الدين باسم الدين ! ومن إفساد الخلق والمقومات الفطرية الأصيلة باسم الدين أيضا . ومن إلباس الجاهلية ثوب الإسلام لتؤدي به دورها في كل البقاع التي ما يزال فيها عاطفة دينية غامضة ; وقيادتها بهذا الخطام المزور الخادع إلى محاضن الصليبية والصهيونية . . الأمر الذي عجزت عنه الحملات الصليبية والصهيونية طوال ألف وثلاث مائة عام , من الكيد للإسلام ! . . (سيجزيهم بما كانوا يفترون). . (وقالوا:ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا , وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء . سيجزيهم وصفهم , إنه حكيم عليم). . لقد استطردوا في أوهام التصورات والتصرفات , النابعة من انحرافات الشرك والوثنية , ومن ترك أمر التحليل والتحريم للرجال ; مع الادعاء بأن ما يشرعه الرجال هو الذي شرعه الله . استطردوا في هذه الأوهام فقالوا عن الأجنة التي في بطون بعض الأنعام - ولعلها تلك المسماة البحيرة والسائبة والوصيلة - إنها خالصة للذكور منهم حين تنتج , محرمة على الإناث , إلا أن تكون ميتة فيشارك فيها الإناث الذكور . . هكذا بلا سبب ولا دليل ولا تعليل , إلا أهواء الرجال التي يصوغون منها دينا غامضاً ملتبسا في الأفهام . ويعقب السياق القرآني تعقيب التهديد ; لمن صاغوا هذه الشرائع وكذبوا على الله فوصفوها بأنها من شرع الله: (سيجزيهم وصفهم). . (إنه حكيم عليم). . السابق - التالي
|