الدرس الثالث:143 - 144 تكذيب الجاهلين في تشريعاتهم وتحريمهم ثم يأخذ السياق في مواجهة دقيقة يتتبع بها مكامن الأوهام الجاهلية , ليلقي عليها الضوء , ويستعرضها واحدا واحدا , وجزئية جزئية ; فيكشف فيها عن السخف الذي لا يمكن تعليله ولا الدفاع عنه ; والذي قد يخجل منه صاحبه نفسه , حين يكشف له في النور ; وحين يرى أن لا سند له فيه من علم ولا هدى ولا كتاب منير:
ثمانية أزواج:من الضأن اثنين ومن المعز اثنين . قل:آلذكرين حرم أم الأنثيين ? أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ? نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ! ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين . قل:آلذكرين حرم أم الأنثيين ? أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ? أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ? فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ? إن الله لا يهدي القوم الظالمين . .
فهذه الأنعام التي يدور حولها الجدل ; والتي ذكر في الآية السابقة أن الله خلقها لهم , هي ثمانية أزواج - وكل من الذكر والأنثى يطلق عليه لفظ زوج عندما يكون مع رفيقه - زوج من الضأن وزوج من المعز . فأي منها حرمه الله على أي من الناس ? أم إنه حرم أجنتها في البطون ?
(نبئوني بعلم إن كنتم صادقين). .
فهذه الشئون لا يفتى فيها بالظن , ولا يقضى فيها بالحدس , ولا يشرع فيها بغير سلطان معلوم .
وبقية الأزواج ذكر وأنثى من الإبل ; وذكر وأنثى من البقر . فأيها كذلك حرم ? أم أجنتها هي التي حرمها الله على الناس ? ومن أين هذا التحريم:
(أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ?). .
فحضرتم وشهدتم وصية الله لكم خاصة بهذا التحريم . فما ينبغي أن يكون هناك تحريم بغير أمر من الله مستيقن , لا يرجع فيه إلى الرجم والظنون .
وبهذا يرد أمر التشريع كله إلى مصدر واحد . . وقد كانوا يزعمون أن الله هو الذي شرع هذا الذي يشرعونه . لذلك يعاجلهم بالتحذير والتهديد:
(فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم . إن الله لا يهدي القوم الظالمين). .
إنه لا أحد أظلم ممن يفتري على الله شريعة لم يأذن بها , ثم يقول:شريعة الله ! وهو يقصد أن يضل الناس بغير علم , إنما هو يحيلهم إلى هدى أو ظن . . أولئك لن يهديهم الله ; فقد قطعوا ما بينهم وبين أسباب الهدى . وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا . . والله لا يهدي القوم الظالمين . .
الدرس الرابع:145 - 147 نماذج من التشريع الإلهي في المحرمات
والآن وقد كشف لهم عما في معتقداتهم وتصوراتهم وتصرفاتهم من وهن وسخف وهزال . وقد بين لهم أنها لا تقوم على علم ولا بينة ولا أساس . وقد ردهم إلى نشأة الحرث والأنعام التي يتصرفون فيها من عند أنفسهم , أو بوحي شياطينهم وشركائهم , بينما هؤلاء لم يخلقوها لهم , إنما الذي خلقها لهم هو الله , الذي يجب أن تكون له وحده الحاكمية فيما خلق وفيما رزق , وفيما أعطى من الأموال للعباد . .
الآن يقرر لهم ما حرمه الله عليهم من هذا كله . ما حرمه الله حقاً عن بينة ووحي , لا عن ظن ووهم . والله هو صاحب الحاكمية الشرعية , الذي إذا حرم الشيء فهو حرام , وإذا أحله فهو حلال ; بلا تدخل من البشر ولا مشاركة ولا تعقيب في سلطان الحاكمية والتشريع . . وبالمناسبة يذكر ما حرمه الله على اليهود خاصة , وأحله للمسلمين , فقد كان عقوبة خاصة لليهود على ظلمهم وبعدهم عن شرع الله !