(قل:لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه , إلا أن يكون ميتة , أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير - فإنه رجس - أو فسقاً أهل لغير الله به . فمن اضطر - غير باغ ولا عاد - فإن ربك غفور رحيم . وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر . ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما - إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم - ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون . فإن كذبوك فقل:ربكم ذو رحمة واسعة , ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين). .
قال أبو جعفر بن جرير الطبري:
" يقول - جل ثناؤه - لنبيه محمد [ ص ] قل , يا محمد , لهؤلاء الذين جعلوا الله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً , ولشركائهم من الآلهة والأنداد مثله . والقائلين:هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - والمحرمين من أنعام أخر ظهورها , والتاركين ذكر اسم الله على أخر منها . والمحرمين بعض ما في بطون بعض أنعامهم على إناثهم وأزواجهم , ومُحليه لذكورهم . المحرمين ما رزقهم الله افتراء على الله ; وإضافة ما يحرمون من ذلك إلى أن الله هو الذي حرمه عليهم:أجاءكم من الله رسول بتحريمه ذلك عليكم , فأنبئونا به , أم وصاكم الله بتحريمه مشاهدة منكم له , فسمعتم منه تحريمه ذلك عليكم فحرمتموه ? فإنكم كذبة إن ادعيتم ذلك , ولا يمكنكم دعواه , لأنكم إذا ادعيتموه علم الناس كذبكم . فإني لا أجد فيما أوحي إلي من كتابه وآي تنزيله شيئاً محرماً على آكل يأكله , مما تذكرون أنه حرمه من هذه الأنعام التي تصفون تحريم ما حرم عليكم منها - بزعمكم - إلا أن يكون(ميتة), قد ماتت بغير تذكية , أو (دماً مسفوحاً), وهو المنصبّ , أو إلا أن يكون لحم خنزير (فإنه رجس). . (أو فسقا)" يقول:أو إلا أن يكون فسقاً , يعني بذلك:أو إلا أن يكون مذبوحاً ذبحه ذابح من المشركين من عبدة الأوثان لصنمه وآلهته فذكر اسم وثنه . فإن ذلك الذبح فسق , نهى الله عنه وحرمه , ونهى من آمن به عن أكل ما ذبح كذلك لأنه ميتة .
"وهذا إعلام من الله - جل ثناؤه - للمشركين الذين جادلوا نبي الله وأصحابه في تحريم الميتة بما جادلوهم به , أن الذي جادلوهم فيه من ذلك هو الحرام الذي حرمه الله , وأن الذي زعموا أن الله حرمه حلال أحله الله ; وأنهم كذبة في إضافتهم تحريمه إلى الله" . .
وقال في تأويل قوله تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم):
. . . "أن معناه:فمن اضطر إلى أكل ما حرم الله من أكل الميتة والدم المسفوح أو لحم الخنزير , أو ما أهل لغير الله به , غير باغ في أكله إياه تلذذاً , لا لضرورة حالة من الجوع ; ولا عاد في أكله بتجاوزه ما حده الله وأباحه له من أكله , وذلك أن يأكل منه ما يدفع عنه الخوف على نفسه بترك أكله من الهلاك . . لم يتجاوز ذلك إلى أكثر منه . . فلا حرج عليه في أكله ما أكل من ذلك . (فإن الله غفور)فيما فعل من ذلك , فساتر عليه , بتركه عقوبته عليه . ولو شاء عاقبة عليه .(رحيم)بإباحته إياه أكل ذلك عند حاجته إليه . ولو شاء حرمه عليه ومنعه منه" .
أما حد الاضطرار الذي يباح فيه الأكل من هذه المحرمات ; والمقدار المباح منها فحولهما خلافات فقهية . . فرأي أنه يباح ما يحفظ الحياة فقد عند خوف الهلاك لو امتنع . . ورأي أنه يباح ما يحقق الكفاية والشبع . . ورأي أنه يباح فوق ذلك ما يدخر لأكلات أخرى إذا خيف انقطاع الطعام . . ولا ندخل في تفصيلات الفروع . . فهذا القدر منها يكفي في هذا الموضع .