فأما اليهود فقد حرم الله عليهم كل ذي ظفر من الحيوان - أي كل حيوان قدمه غير مشقوقة ; وذلك كالإبل والنعام والأوز والبط . وحرم كذلك شحم البقر والغنم - إلا شحم الظهر , أو الدهن الملتف بالأمعاء , أو ما اختلط منه بالعظم . . وكان ذلك عقوبة لهم على بغيهم بتجاوز أوامر الله وشرائعه:
(وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر . ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما - إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم - ذلك جزيناهم ببغيهم , وإنا لصادقون).
والنص يبين سبب هذا التحريم , وهو سبب خاص باليهود , ويؤكد أن هذا هو الصدق , لا ما يقولونه هم من أن إسرائيل , وهو يعقوب جدهم , هو الذي حرم هذا على نفسه فهم يتبعونه فيما حرم على نفسه . . لقد كان هذا مباحا حلالاً ليعقوب . ولكنه حرم عليهم بعد ما بغوا , فجازاهم الله بهذا الحرمان من الطيبات .
(فإن كذبوك فقل:ربكم ذو رحمة واسعة , ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين). .
فقل ربكم ذو رحمة واسعة بنا , وبمن كان مؤمنا من عباده , وبغيرهم من خلقه . فرحمته - سبحانه - تسع المحسن والمسيء ; وهو لا يعجل على من استحق العقاب ; حلما منه ورحمة . فإن بعضهم قد يثوب إلى الله . . ولكن بأسه شديد لا يرده عن المجرمين إلا حلمه , وما قدره من إمهالهم إلى أجل مرسوم .
وهذا القول فيه من الإطماع في الرحمة بقدر ما فيه من الإرهاب بالبأس . والله الذي خلق قلوب البشر ; يخاطبها بهذا وذاك ; لعلها تهتز وتتلقى وتستجيب .
الدرس الخامس:148 - 149 تكذيب المشركين في إفترائهم على الله
وعندما يصل السياق إلى هذا الحد من تضييق الخناق عليهم , وسد الذرائع في وجوههم , يواجه مهربهم الأخير الذين يحيلون عليه شركهم وضلال تصوراتهم وتصرفاتهم . . إنهم يقولون:إنهم مجبرون لا مخيرون فيما اعتسفوا من شرك وضلال . فلو كان الله لا يريد منهم الشرك والضلال لمنعهم منه بقدرته التي لا يعجزها شيء:
(سيقول الذين أشركوا:لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا , ولا حرمنا من شيء . كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا . قل:هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ? إن تتبعون إلا الظن , وإن أنتم إلا تخرصون . قل:فلله الحجة البالغة , فلو شاء لهداكم أجمعين):
وقضية الجبر والاختيار كثر فيها الجدل في تاريخ الفكر الإسلامي بين أهل السنة والمعتزلة والمجبرة والمرجئة . . . وتدخلت الفلسفة الإغريقية والمنطق الإغريقي واللاهوت المسيحي في هذا الجدل , فتعقد تعقيداً لا تعرفه العقلية الإسلامية الواضحة الواقعية . . ولو أخذ الأمر بمنهج القرآن المباشر الميسر الجاد , ما اشتد هذا الجدل , وما سار في ذلك الطريق الذي سار فيه .
ونحن نواجه قول المشركين هذا والرد القرآني عليه , فنجد قضية واضحة بسيطة محددة:
(سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء). . فهم يحيلون شركهم هم وآباؤهم , وتحريمهم ما حرموه مما لم يحرمه الله , وادعاءهم أن هذا من شرع الله بغير علم ولا دليل . . يحيلون هذا كله على مشيئة الله بهم . فلو شاء الله ما أشركوا ولا حرموا . .
فكيف واجه القرآن الكريم هذه المقولة ?
لقد واجهها بأنهم كذبوا كما كذب الذين من قبلهم , وقد ذاق المكذبون من قبلهم بأس الله . وبأس الله ينتظر المكذبين الجدد: