(كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا). . وهذه هي الهزة التي قد تحرك المشاعر , وتوقظ من الغفلة , وتوجه إلى العبرة . .
واللمسة الثانية كانت بتصحيح منهج الفكر والنظر . . إن الله أمرهم بأوامر ونهاهم عن محظورات . . وهذا ما يملكون أن يعلموه علماً مستيقناً . . فأما مشيئة الله فهي غيب لا وسيلة لهم إليه , فكيف يعلمونه ? وإذا لم يعلموه يقيناً فكيف يحيلون عليه:
(قل:هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ? إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون). .
إن لله أوامر ونواهي معلومة علماً قطعياً , فلماذا يتركون هذه المعلومات القطعية , ليمضوا وراء الحدس والخرص في واد لا يعلمونه ?
هذا هو فصل القول في هذه القضية . . إن الله لا يكلف الناس أن يعلموا غيب مشيئته وقدره حتى يكيفوا أنفسهم على حسبه . إنما يكلفهم أن يعلموا أوامره ونواهيه , ليكيفوا أنفسهم على حسبها . . وهم حين يحاولون هذا يقرر الله سبحانه أنه يهديهم إليه , ويشرح صدورهم للإسلام . . وهذا حسبهم في القضية التي تبدو عندئذ - في واقعها العملي - يسيرة واضحة , بريئة من غموض ذلك الجدل وتحكماته !
إن الله قادر لو شاء على أن يخلق بني آدم ابتداء بطبيعة لا تعرف إلا الهدى , أو يقهرهم على الهدى . أو يقذف بالهدى في قلوبهم فيهتدوا بلا قهر . . . ولكنه - سبحانه - شاء غير هذا ! شاء أن يبتلي بني آدم بالقدرة على الاتجاه إلى الهدى أو الضلال , ليعين من يتجه منهم إلى الهدى على الهدى , وليمد من يتجه منهم إلى الضلال في غيه وفي عمايته . . وجرت سنته بما شاء . .
(قل:فلله الحجة البالغة , فلو شاء لهداكم أجمعين).
قضية واضحة , مصوغة في أيسر صورة يدركها الإدراك البشري . فأما المعاظلة فيها والمجادلة فهي غريبة على الحس الإسلامي وعلى المنهج الإسلامي . . ولم ينته الجدل فيها في أية فلسفة أو أي لاهوت إلى نتيجة مريحة . لأنه جدل يتناول القضية بأسلوب لا يناسب طبيعتها . .
إن طبيعة أي حقيقة هي التي تحدد منهج تناولها , وأسلوب التعبير عنها كذلك . الحقيقة المادية يمكن تناولها بتجارب المعمل . والحقيقة الرياضية يمكن تناولها بفروض الذهن . والحقيقة التي وراء هذا المدى , لا بد أن تتناول بمنهج آخر . . هو كما قلنا من قبل:منهج التذوق الفعلي لهذه الحقيقة في مجالها الفعلي . ومحاولة التعبير عنها بغير أسلوب القضايا الذهنية التي عولجت بها في كل ما جرى حولها من الجدل قديماً وحديثاً .
وبعد فلقد جاء هذا الدين ليحقق واقعاً عملياً ; تحدده أوامر ونواه واضحة . فالإحالة على المشيئة الغيبية دخول في متاهة , يرتادها العقل بغير دليل , ومضيعة للجهد الذي ينبغي أن ينفق في العمل الإيجابي الواقعي المشهود .
الدرس السادس:150 مطالبة الكفار لشهادة الله على أحكامهم
وأخيراً يوجه الله - سبحانه - رسوله [ ص ] إلى مواجهة المشركين في موقف الإشهاد على قضية التشريع , كما واجههم من قبل في موقف الإشهاد على قضية الألوهية في أوائل السورة:
في أوائل السورة قال له:
(قل:أي شيء أكبر شهادة ? قل الله . شهيد بيني وبينكم , وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن