وأمر كذلك أن يقذف في قلوبهم بالرعب والترويع ; في الوقت الذي يعلن فيه تصوره لجدية الأمر والتكليف ولخوفه هو من عذاب ربه , إن عصاه فيما أمر به من الإسلام والتوحيد:(قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه , وذلك الفوز المبين). .
إنه تصوير لحقيقة مشاعر الرسول [ ص ] تجاه أمر ربه له ; وتجسيم لخوفه من عذابه . العذاب الذي يعتبر مجرد صرفه عن العبد رحمه من الله وفوزا مبينا . ولكنه في الوقت ذاته حمله مزلزلة على قلوب المشركين في ذلك الزمان , وقلوب المشركين بالله في كل زمان . حملة مزلزلة تصور العذاب في ذلك اليوم العظيم ; يطلب الفريسة , ويحلق عليها , ويهجم ليأخذها . فلا تصرفه عنها إلا القدرة القادرة التي تأخذ بخطامه فتلويه عنها ! وإن أنفاس القاريء لهذا التصوير لتحتبس - وهو يتمثل المشهد - في انتظار هذه اللقطة الأخيرة !
ثم إنه لماذا يتخذ غير الله وليا , ويعرض نفسه للشرك الذي نهى عنه وللمخالفة عن الإسلام الذي أمر به , ولما يعقب المعصية من هذا العذاب الهائل الرعيب ? . . ألعل ذلك رجاء جلب نفع أو دفع ضر في هذه الحياة الدنيا ? رجاء نصرة الناس له في الضراء ; ورجاء نفع الناس له بالسراء ? . . إن هذا كله بيد الله ; وله القدرة المطلقة في عالم الأسباب ; وله القهر كذلك على العباد ; وعنده الحكمة والخبرة في المنع والعطاء:
(وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو , وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير . وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير). .
إنه تتبع هواجس النفس ووساوس الصدر ; وتتبع مكامن الرغائب والمخافات , ومطارح الظنون والشبهات وتجليه هذا كله بنور العقيدة , وفرقان الإيمان , ووضوح التصور , وصدق المعرفة بحقيقة الألوهية . ذلك لخطورة القضية التي يعالجها السياق القرآني في هذا الموضع , وفي جملة هذا القرآن:
الدرس الثالث:19 الإشهاد على الوحدانية والرسالة والبراءة من الشرك
وأخيرا تجيء قمة المد في هذه الموجة ; ويجيء الإيقاع المدوي العميق ; في موقف الإشهاد والإنذار والمفاصلة والتبرؤ من المشاركة في الشرك . . كل ذلك في رنة عالية , وفي حسم رهيب:
(قل:أي شيء أكبر شهادة ? قل الله . شهيد بيني وبينكم , وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ , أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ? قل:لا أشهد , قل:إنما هو إله واحد , وإنني بريء مما تشركون). .
إن تتابع المقاطع والإيقاعات في الآية الواحدة عجيب ; وإن هذا التتابع ليرسم الموقف لحظة لحظة , ومشهدا مشهدا , ويكاد ينطق بملامح الوجوه فيه وخلجات الصدور . .
فها هو ذا رسول الله [ ص ] يؤمر من ربه هذا الأمر . . ثم ها هو ذا يواجه المشركين الذين يتخذون من دون الله أولياء ; يجعلون لهم بعض خصائص الألوهية مع الله ; ويدعون رسول الله [ ص ] أن يقرهم على هذا الذي هم فيه ليدخلوا هم فيما جاءهم به ! كأن ذلك يمكن أن يكون ! وكأنه يمكن أن يجتمع الإسلام والشرك في قلب واحد على هذا النحو الذي كانوا يتصورونه ; والذي لا يزال يتصوره ناس في هذا الزمان , من أنه يمكن أن يكون الإنسان مسلما لله ; بينما هو يتلقى من غير الله في شؤون الحياة ; وبينما هو يخضع لغير الله ويستنصر بغير الله , ويتولى غير الله !