تكون الجماعة قد أضافت إليها عضواً نافعاً ; وسلمته حقه كاملا . وهناك خلاف فقهي حول سن الرشد أو بلوغ الأشد . . عند عبد الرحمن بن زيد وعند مالك , بلوغ الحلم . وعند أبي حنيفة خمسة وعشرون عاما . وعند السدي ثلاثون , وعند أهل المدينة بلوغ الحلم وظهور الرشد معاً بدون تحديد .
(وأوفوا الكيل والميزان بالقسط - لا نكلف نفسا إلا وسعها -).
وهذه في المبادلات التجارية بين الناس في حدود طاقة التحري والإنصاف . والسياق يربطها بالعقيدة ; لأن المعاملات في هذا الدين وثيقة الارتباط بالعقيدة . والذي يوصي بها ويأمر هو الله . ومن هنا ترتبط بقضية الألوهية والعبودية , وتذكر في هذا المعرض الذي يبرز فيه شأن العقيدة , وعلاقتها بكل جوانب الحياة . .
ولقد كانت الجاهليات - كما هي اليوم - تفصل بين العقيدة والعبادات , وبين الشرائع والمعاملات . . من ذلك ما حكاه القرآن الكريم عن قوم شعيب: (قالوا:يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء)?!
ومن ثم يربط السياق القرآني بين قواعد التعامل في المال والتجارة والبيع والشراء , وبين هذا المعرض الخاص بالعقيدة , للدلالة على طبيعة هذا الدين , وتسويته بين العقيدة والشريعة , وبين العبادة والمعاملة , في أنها كلها من مقومات هذا الدين , المرتبطة كلها في كيانه الأصيل .
(وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى). .
وهنا يرتفع الإسلام بالضمير البشري - وقد ربطه بالله ابتداء - إلى مستوى سامق رفيع , على هدى من العقيدة في الله ومراقبته . . فهنا مزلة من مزلات الضعف البشري . الضعف الذي يجعل شعور الفرد بالقرابة هو شعور التناصر والتكامل والامتداد ; بما أنه ضعيف ناقص محدود الأجل ; وفي قوة القرابة سند لضعفه ; وفي سعة رقعتها كمال لوجوده , وفي امتدادها جيلاً بعد جيل ضمان لامتداده ! ومن ثم يجعله ضعيفاً تجاه قرابته حين يقف موقف الشهادة لهم أو عليهم , أو القضاء بينهم وبين الناس . . وهنا في هذه المزلة يأخذ الإسلام بيد الضمير البشري ليقول كلمة الحق والعدل , على هدى من الاعتصام بالله وحده , ومراقبة الله وحده , اكتفاء به من مناصرة ذوي القربى , وتقوى له من الوفاء بحق القرابة دون حقه ; وهو - سبحانه - أقرب إلى المرء من حبل الوريد . .
لذلك يعقب على هذا الأمر - وعلى الوصايا التي قبله - مذكراً بعهد الله:
(وبعهد الله أوفوا). .
ومن عهد الله قولة الحق والعدل ولو كان ذا قربى . ومن عهد الله توفية الكيل والميزان بالقسط . ومن عهد الله ألا يقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن . ومن عهد الله حرمة النفس إلا بالحق . . وقبل ذلك كله . . من عهد الله ألا يشركوا به شيئاً . فهذا هو العهد الأكبر , المأخوذ على فطرة البشر , بحكم خلقتها متصلة بمبدعها , شاعرة بوجوده في النواميس التي تحكمها من داخلها كما تحكم الكون من حولها .
ثم يجيء التعقيب القرآني في موضعه بعد التكاليف:
(ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون). .