وقد بطلت حجتكم , وسقطت معذرتكم , بتنزيل هذا الكتاب المبارك إليكم , تفصيلاً لكل شيء . بحيث لا تحتاجون إلى مرجع آخر وراءه ; وبحيث لا يبقى جانب من جوانب الحياة لم يتناوله فتحتاجون أن تشرعوا له من عند أنفسكم:
أن تقولوا:إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا . وإن كنا عن 3دراستهم لغافلين . أو تقولوا:لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم . فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة . فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ? سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون . .
لقد شاء الله سبحانه أن يرسل كل رسول إلى قومه بلسانهم . . حتى إذا كانت الرسالة الأخيرة أرسل الله محمداً خاتم النبيين للناس كافة . فهو آخر رسول من الله للبشر , فناسب أن يكون رسولاً إليهم أجمعين .
والله - سبحانه - يقطع الحجة على العرب أن يقولوا:إن كلا من موسى وعيسى إنما أرسلا إلى قومهما . ونحن كنا غافلين عن دراستهم لكتابهم , لا علم لنا به ولا اهتمام . ولو جاء إلينا كتاب بلغتنا , يخاطبنا وينذرنا لكنا أهدى من أهل الكتاب . . فقد جاءهم هذا الكتاب وجاءهم رسول منهم - وإن كان رسولاً للناس أجمعين - وجاءهم بكتاب هو بينة في ذاته على صدقه . وهو يحمل إليهم حقائق بينة كذلك لا لبس فيها ولا غموض . وهو هدى لما هم فيه من ضلالة , ورحمة لهم في الدنيا والآخرة . .
فإذا كان ذلك كذلك , فمن أشد ظلماً ممن كذب بآيات الله وأعرض عنها وهي تدعوه إلى الهدى والصلاح والفلاح ? من أشد ظلماً لنفسه وللناس بصده لنفسه وللناس عن هذا الخير العظيم , وبإفساده في الأرض بتصورات الجاهلية وتشريعاتها . . إن الذين يعرضون عن هذا الحق في طبعهم آفة تميلهم عنه ; كالآفة التي تكون في خف البعير فتجعله يصدف - أي يميل - بجسمه ولا يستقيم ! إنهم(يصدفون)عن الحق والاستقامة , كما يصدف البعير المريض عن الاعتدال والاستقامة ! وهم مستحقون سوء العذاب بصدوفهم هذا وميلهم:
(سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون). .
إن التعبير القرآني يستخدم مثل هذا اللفظ , المنقول في اللغة من حالة حسية إلى حالة معنوية ليستصحب في الحس أصل المعنى . . فيستخدم هنا لفظ "يصدف" وقد عرفنا أنه من صدف البعير إذا مال بخفه ولم يعتدل لمرض فيه ! كذلك يستخدم لفظ (يصعر خده)وهو مأخوذ من داء الصَّعَر الذي يصيب الإبل - كما يصيب الناس - فتعرض صفحة خدها , اضطراراً , ولا تملك أن تحرك عنقها بيسر , ومثله استخدام لفظ (حبطت أعمالهم). . من حبطت الناقة إذا رعت نباتا مسموماً فانتفخ بطنها ثم ماتت ! ومثلها كثير . .
ويمضي في هذا التهديد خطوة أخرى , للرد على ما كانوا يطلبونه من الآيات والخوارق حتى يصدقوا بهذا الكتاب . . وقد مضى مثل ذلك التهديد في أوائل السورة عند ما كانت المناسبة هناك مناسبة التكذيب بحقيقة الاعتقاد . وهو يتكرر هنا , والمناسبة الحاضرة هي مناسبة الإعراض عن الاتباع والتقيد بشريعة الله:فقد جاء في أول السورة:(وقالوا:لولا أنزل عليه ملك ! ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا يُنظرون). . وجاء هنا في آخرها:
(هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك , أو يأتي بعض آيات ربك ? يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً:قل:انتظروا إنا منتظرون). .
إنه التهديد الواضح الحاسم . فقد مضت سنة الله بأن يكون عذاب الاستئصال حتماً إذا جاءت الخارقة