وإن الدين عند الله هو المنهج والشرع . . ورسول الله [ ص ] ليس في شيء ممن يتخذون غير منهج الله منهجاً , وغير شريعة الله شرعا . .
الأمر هكذا جملة . وللنظرة الأولى . بدون دخول في التفصيلات !
وأمر هؤلاء الذين فرقوا دينهم شيعا , وبرئ منهم رسول الله [ ص ] بحكم من الله تعالى . . أمرهم بعد ذلك إلى الله ; وهو محاسبهم على ما كانوا يفعلون:
(إنما أمرهم إلى الله , ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون). .
وبمناسبة الحساب والجزاء قرر الله سبحانه ما كتبه على نفسه من الرحمة في حساب عباده . فجعل لمن جاء بالحسنة وهو مؤمن - فليس مع الكفر من حسنة ! - فله عشر أمثالها . ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ; لا يظلم ربك أحداً ولا يبخسه حقه:
(من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها . ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها . وهم لا يظلمون). .
الدرس الثالث:161 - 165 خاتمة السورة والإستسلام لله
وفي ختام السورة - وختام الحديث الطويل عن قضية التشريع والحاكمية - تجيء التسبيحة الندية الرخية , في إيقاع حبيب إلى النفس قريب ; وفي تقرير كذلك حاسم فاصل . . ويتكرر الإيقاع الموحي في كل آية:(قل). .(قل). .(قل). . ويلمس في كل آية أعماق القلب البشري لمسات دقيقة عميقة في مكان التوحيد . . توحيد الصراط والملة . توحيد المتجه والحركة . توحيد الإله والرب . توحيد العبودية والعبادة . . مع نظرة شاملة إلى الوجود كله وسنته ومقوماته .
قل:إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له , وبذلك أمرت , وأنا أول المسلمين . قل:أغير الله أبغي ربا , وهو رب كل شيء , ولا تكسب كل نفس إلا عليها , ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم , فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون . وهو الذي جعلكم خلائف الأرض , ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم . إن ربك سريع العقاب , وإنه لغفور رحيم . .
هذا التعقيب كله , الذي يؤلف مع مطلع السورة لحناً رائعاً باهراً متناسقاً , هو تعقيب ينتهي به الحديث عن قضية الذبائح والنذور والثمار , وما تزعمه الجاهلية بشأنها من شرائع , تزعم أنها من شرع الله افتراء على الله . . فأية دلالة يعطيها هذا التعقيب ? إنها دلالة لا تحتاج بعد ما سبق من البيان إلى مزيد . .
(قل:إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم . ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين). .
إنه الإعلان الذي يوحي بالشكر , ويشي بالثقة , ويفيض باليقين . . اليقين في بناء العبادة اللفظي ودلالتها المعنوية , والثقة بالصلة الهادية . . صلة الربوبية الموجهة المهيمنة الراعية . . والشكر على الهداية إلى الصراط المستقيم , الذي لا التواء فيه ولا عوج: (دينا قيماً). . وهو دين الله القديم منذ إبراهيم . أبي هذه الأمة المسلمة المبارك المخلص المنيب: (ملة إبراهيم حنيفا , وما كان من المشركين).
(قل:إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له . وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين). .
إنه التجرد الكامل لله , بكل خالجة في القلب وبكل حركة في الحياة . بالصلاة والاعتكاف . وبالمحيا والممات . وبالشعائر التعبدية , وبالحياة الواقعية , وبالممات وما وراءه .