|
في ظلال القرآن
الكريم
الأنعام من الاية 19 الى الاية 20 قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلö اللّهö شَهöيدñ بöيْنöي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحöيَ إöلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذöرَكُم بöهö وَمَن بَلَغَ أَئöنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهö آلöهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إöنَّمَا هُوَ إöلَِهñ وَاحöدñ وَإöنَّنöي بَرöيءñ مّöمَّا تُشْرöكُونَ (19) الَّذöينَ آتَيْنَاهُمُ الْكöتَابَ يَعْرöفُونَهُ كَمَا يَعْرöفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذöينَ خَسöرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمöنُونَ (20)
ها هو ذا رسول الله [ ص ] يواجه هؤلاء المشركين ; ليبين لهم مفرق الطريق بين دينه ودينهم , وبين توحيده وشركهم , وبين إسلامه وجاهليتهم . وليقرر لهم:أنه لا موضع للقاء بينه وبينهم , إلا أن يتخلصوا هم من دينهم ويدخلوا في دينه . وأنه لا وجه للمصالحة في هذا الأمر ; لأنه يفترق معهم في أول الطريق ! وها هو ذا يبدأ معهم مشهد الإشهاد العلني المفتوح المكشوف: (قل:أي شيء أكبر شهادة ?). . أي شاهد في هذا الوجود كله هو أكبر شهادة ? أي شاهد تعلو شهادته كل شهادة ? أي شاهد تحسم شهادته في القضية فلا يبقى بعد شهادته شهادة ? وللتعميم المطلق , حتى لا يبقى في الوجودكله(شيء)لا يستقصى وزنه في مقام الشهادة:يكون السؤال: (أي شيء أكبر شهادة ?). وكما يؤمر رسول الله [ ص ] بالسؤال , فهو يؤمر كذلك بالجواب . ذلك أنه لا جواب غيره باعتراف المخاطبين أنفسهم . ولا جواب غيره في حقيقة الأمر والواقع: ل:الله . . نعم ! فالله - سبحانه وتعالى - هو أكبر شهادة . . هو الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين . . هو الذي لا شهادة بعد شهادته , ولا قول بعد قوله . فإذا قال فقد انتهى القول , وقد قضي الأمر . فإذا أعلن هذه الحقيقة:حقيقة أن الله سبحانه هو أكبر شهادة , أعلن لهم أنه - سبحانه - هو الشهيد بينه وبينهم في القضية: (شهيد بيني وبينكم). . على تقدير:هو شهيد بيني وبينكم - فهذا التقطيع في العبارة هو الأنسب في جو المشهد:وهو أولى من الوصل على تقدير: (قل الله شهيد بيني وبينكم). فإذا تقرر المبدأ:مبدأ تحكيم الله سبحانه في القضية , أعلن إليهم أن شهادة الله سبحانه , تضمنها هذا القرآن , الذي أوحاه إليه لينذرهم به ; وينذر به كل من يبلغه في حياته [ ص ] أو من بعد . فهو حجة عليهم وعلى من يبلغه غيرهم ; لأنه يتضمن شهادة الله في هذه القضية الأساسية ; التي تقوم عليها الدنيا والآخرة , ويقوم عليها الوجود كله والوجود الإنساني ضمنا: (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ). . فكل من بلغه هذا القرآن من الناس , بلغة يفهمها , ويحصل منها محتواه , فقد قامت عليه الحجة به , وبلغه الإنذار , وحق عليه العذاب , إن كذب بعد البلاغ . . [ فأما من يحول عدم فهمه للغة القرآن دون فهمه لفحواه , فلا تقوم عليه الحجة به ; ويبقى إثمه على أهل هذا الدين الذين لم يبلغوه بلغته التي يفهم بها مضمون هذا الشهادة . . هذا إذا كان مضمون القرآن لم يترجم إلى لغته ] . . فإذا أعلن إليهم أن شهادة الله - سبحانه - متضمنة في هذا القرآن , أعلن إليهم مضمون هذه الشهادة في صورة التحدي والاستنكار لشهادتهم هم , المختلفة في أساسها عن شهادة الله سبحانه . وعالنهم بأنه ينكر شهادتهم هذه ويرفضها ; وأنه يعلن غيرها ويقرر عكسها ويشهد لربه بالوحدانية المطلقة والألوهية المتفردة ; وأنه يفاصلهم على هذا عند مفرق الطريق ; وأنه يتبرأ من شركهم في صيغة التشديد والتوكيد:أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ? قل:لا أشهد , قل:إنما هو إله واحد , وإنني بريء مما تشركون . . والنصوص القرآنية بمقاطعها هذه , وبإيقاعاتها هذه , تهز القلوب بما لا يملك البيان البشري أن يفعل فلا أريد أن أوقف تدفقها وانسكابها في القلب بأي تعليق . تعقيب على الوحدة - الولاء والتوحيد والمفاصلة ولكني أريد أن أتحدث عن القضية التي تضمنها هذا المقطع , وجرت بها هذه الموجة . . إن هذه القضية التي عرضها السياق القرآني في هذه الآيات . . قضية الولاء والتوحيد والمفاصلة . . هي قضية هذه العقيدة ; وهي الحقيقية الكبرى فيها . وان العصبة المؤمنة اليوم لخليقة بأن تقف أمام هذا الدرس الرباني فيها وقفة طويلة . . إن هذه العصبة تواجه اليوم من الجاهلية الشاملة في الأرض , نفس ما كانت تواجهه العصبة التي تنزلت عليها هذه الآيات , لتحدد على ضوئها موقفها , ولتسير على هذا الضوء في طريقها ; وتحتاج - من ثم - أن تقف وقفة طويلة أمام هذه الآيات , لترسم طريقها على هداها . لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية ; وعادت البشرية إلى مثل الموقف الذي كانت فيه يوم تنزل هذا القرآن على رسول الله [ ص ] ويوم جاءها الإسلام مبينا على قاعدته الكبرى:"شهادة أن لا إله إلا الله" . . شهادة أن لا إله إلا الله بمعناها الذي عبر عنه ربعي بن عامر رسول قائد المسلمين إلى رستم قائد الفرس , وهو يسأله:"ما الذي جاء بكم ? " فيقول:"الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده , ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام" . . وهو يعلم أن رستم وقومه لا يعبدون كسرى بوصفه إلها خالقا للكون ; ولا يقدمون له شعائر العبادة المعروفة ; ولكنهم إنما يتلقون منه الشرائع , فيعبدونه بهذا المعنى الذي يناقض الإسلام وينفيه ; فأخبره أن الله ابتعثهم ليخرجوا الناس من الأنظمة والأوضاع التي يعبد العباد فيها العباد , ويقرون لهم بخصائص الألوهية - وهي الحاكمية والتشريع والخضوع لهذه الحاكمية والطاعة لهذا التشريع - [ وهي الأديان ] . . إلى عبادة الله وحده وإلى عدل الإسلام . لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بلا إله إلا الله . فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد , وإلى جور الأديان ; ونكصت عن لا إله إلا الله , وإن ظل فريق منها يردد على المآذن:"لا إله إلا الله" ; دون أن يدرك مدلولها , ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها , ودون أن يرفض شرعية "الحاكمية " التي يدعيها العباد لأنفسهم - وهي مرادف الألوهية - سواء ادعوها كأفراد , أو كتشكيلات تشريعية , أو كشعوب . فالأفراد , كالتشكيلات , كالشعوب , ليست آلهة , فليس لها إذن حق الحاكمية . . إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية , وارتدت عن لا إله إلا الله . فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية . ولم تعد توحد الله , وتخلص له الولاء . . البشرية بجملتها , بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات:"لا إله إلا الله" بلا مدلول ولا واقع . . وهؤلاء أثقل إثما وأشد عذابا يوم القيامة , لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد - من بعدما تبين لهم الهدى - ومن بعد أن كانوا في دين الله ! فما أحوج العصبة المسلمة اليوم أن تقف طويلا أمام هذه الآيات البينات ! ما أحوجها أن تقف أمام آية الولاء: (قل:أغبر الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض , وهو يطعم ولا يطعم ? قل:إني أمرت أن أكون أول من أسلم , ولا تكونن من المشركين). . ذلك لتعلم أن اتخاذ غير الله وليا - بكل معاني "الولي" . . وهي الخضوع والطاعة , والاستنصار والاستعانة . . يتعارض مع الإسلام , لأنه هو الشرك الذي جاء الإسلام ليخرج منه الناس . . ولتعلم أن أول ما يتمثل فيه الولاء لغير الله هو تقبل حاكمية غير الله في الضمير أو في الحياة . . الأمر الذي تزاوله البشرية كلها بدون استثناء . ولتعمل أنها تستهدف اليوم إخراج الناس جميعا من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ; وأنها تواجه جاهلية كالتي واجهها رسول الله [ ص ] والجماعة المسلمة حين تلقي هذه الآيات . . وما أحوجها أن تستصحب في مواجهتها للجاهلية تلك الحقائق والمشاعر التي تسكبها في القلب المؤمن الآيات التالية: قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه , وذلك الفوز المبين . وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو , وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير . وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير . . فما أحوج من يواجه الجاهلية بطاغوتها وجبروتها , وبإعراضها وعنادها , وبالتوائها وكيدها , وبفسادها وانحلالها . . ما أحوج من يواجه هذا الشر كله , أن يستصحب في قلبه هذه الحقائق وهذا المشاعر . . مخافة المعصية والولاء لغير الله . ومخافة العذاب الرعيب الذي يترقب العصاة . . واليقين بأن الضار والنافع هو الله . وأن الله هو القاهر فوق عباده فلا معقب على حكمه ولا راد لما قضاه . إن قلبا لا يستصحب هذه الحقائق وهذه المشاعر لن يقوى على تكاليف "إنشاء" الإسلام من جديد في وجه الجاهلية الطاغية . . وهي تكاليف هائلة تنوء بها الجبال ! ثم ما أحوج العصبة المؤمنة - بعد أن تستيقن حقيقة مهمتها في الأرض اليوم ; وبعد أن تستوضح حقيقة العقيدة التي تدعو إليها ومقتضياتها من إفراد الله سبحانه بالولاء بكل مدلولاته ; وبعد أن تستصحب معها في مهمتها الشاقة تلك الحقائق والمشاعر . ما أحوجها بعد ذلك كله إلى موقف الإشهاد والقطع والمفاصلة والتبرؤ من الشرك الذي تزاوله الجاهلية البشرية اليوم كما كانت تزاوله جاهلية البشرية الأولى . وأن تقول ما أمر رسول الله [ ص ] أن يقوله ; وأن تقذف في وجه الجاهلية , بما قذف به في وجهها الرسول الكريم , تنفيذا لأمر به العظيم: (قل:أي شيء أكبر شهادة ? قل:الله , شهيد بيني وبينكم , وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ? قل:لا أشهد . قل:إنما هو إله واحد , وإنني بريء مما تشركون). . إنه لا بد أن تقف العصبة المسلمة في الأرض , من الجاهلية التي تغمر الأرض , هذا الموقف . لا بد أن تقذف في وجهها بكلمة الحق هذه عالية مدوية , قاطعة فاصلة , مزلزلة رهيبة . . ثم تتجه إلى الله تعلم أنه على كل شيء قدير , وأنه هو القاهر فوق عباده . وأن هؤلاء العباد - بما فيهم الطواغيت المتجبرون - أضعف من الذباب , وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ! وأنهم ليسوا بضارين من أحد إلا بإذن الله ; وليسوا بنافعين أحدا إلا بإذن الله , وأن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون . ولا بد أن تستيقن العصبة المسلمة كذلك أنها لن تنصر ولن يتحقق لها وعد الله بالتكمين في الأرض , قبل أن تفاصل الجاهلية على الحق عند مفترق الطريق . وقبل أن تعلن كلمة الحق في وجه الطاغوت , وقبل أن تشهد على الجاهلية هذا الإشهاد , وتنذرها هذه النذارة , وتعلنها هذا الإعلان , وتفاصلها هذه المفاصلة , وتتبرأ منها هذه البراءة . . إن هذا القرآن لم يأت لمواجهة موقف تاريخي ; إنما جاء منهجا مطلقا خارجا عن قيود الزمان والمكان . منهجا تتخذه الجماعة المسلمة حيثما كانت في مثل الموقف الذي تنزل فيه هذا القرآن . وهي اليوم في مثل هذا الموقف تماما ; وقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا القرآن لينشيء الإسلام في الأرض إنشاء . . فليكن اليقين الجازم بحقيقة هذا الدين . والشعور الواضح بحقيقة قدرة الله وقهره . والمفاصلة الحاسمة مع الباطل وأهله . . لتكن هذه عدة الجماعة المسلمة . . والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين . . الوحدة الرابعة:20 - 32 مواجهة المشركين بمصيرهم في يوم البعث الذي يكذبون به مقدمة الوحدة - الرابعة من سورة الأنعام هذه الجولة - أو هذه الموجه - عودة إلى مواجهة المشركين المكذبين بالقرآن الكريم , المكذبين بالبعث والآخرة . . ولكنها لا تواجههم بتصوير تعنتهم وعنادهم ; ولا تواجههم بمصارع الغابرين من المكذبين من أسلافهم - كما سبق في سياق السورة - إنما تواجههم بمصيرهم في يوم البعث الذي يكذبون به ; وبجزائهم في الآخرة التي ينكرونها . . تواجههم بهذا الجزاء وبذلك المصير في مشاهد حية شاخصة . . تواجههم به وهم محشورون جميعا , مسؤولون سؤال التبكيت والتأنيب , وسؤال التشهير والتعجيب: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ? وهم في رعب وفزع , وفي تضعضع وذهول يقسمون بالله ويعترفون له وحده بالربوبية: (والله ربنا ما كنا مشركين)! . . وتواجههم به وهم موقوفون على النار , محبوسون عليها , وهم في رعب وفزع , وفي ندم وحسرة يقولون: (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين)! . . وتواجههم به وهم موقوفون على ربهم , وهم يتذاوبون من الخجل والندم , ومن الروع والهول ; وهو - جل جلاله - يسألهم سبحانه: (أليس هذا بالحق ?)فيجيبون في استخذاء وتذاوب: (بلى وربنًا). فلا يجديهم هذا الاعتراف شيئا: (قال:فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون). . ويواجهون به وهم قد خسروا أنفسهم وخسروا كل شيء إذن ; وجاءوا يحملون أوزارهم على ظهورهم ; وهم يجأرون بالحسرة على تفريطهم في الأخرة , وأخذهم للصفقة الخاسرة ! مشهد وراء مشهد , وكل مشهد يزلزل القلوب , ويخلخل المفاصل , ويهز الكيان , ويفتح العين والقلب - عند من يشاء الله أن يفتح عينه وقلبه - على الحق الذي يواجههم به رسول الله [ ص ] والكتاب الذي يكذبون به ; بينما الذين أوتوا الكتاب من قبلهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم ! الدرس الأول:20 معرفة أهل الكتاب بنبوة محمد عليه السلام (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم , الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون). . لقد تكرر في القرآن الكريم ذكر معرفة أهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى - لهذا القرآن ; أو لصحة رساله محمد [ ص ] وتنزيل هذا القرآن عليه من عند الله . . تكرر ذكر هذه الحقيقة سواء في مواجهة أهل الكتاب أنفسهم , عندما كانوا يقفون من النبى [ ص ] ومن هذا الدين وقفة المعارضة والإنكار والحرب والعداء [ وكان هذا غالبا في المدينة ] أو في مواجهة المشركين من العرب ; لتعريفهم أن أهل الكتاب , الذين يعرفون طبيعة الوحي والكتب السماوية , يعرفون هذا القرآن , ويعرفون صدق رسول الله [ ص ] في أنه وحي أوحى به ربه إليه كما أوحى إلى الرسل من قبله . وهذا الآية - كما رجحنا - مكية . وذكر أهل الكتاب فيها على هذا النحو - إذن - يفيد أنها كانت مواجهة للمشركين بأن هذا القرآن الذي ينكرونه , يعرفه أهل الكتاب كما يعرفون أبناءهم ; وإذا كانت كثرتهم لم تؤمن به فذلك لأنهم خسروا أنفسهم , فهم لا يؤمنون . شأنهم في هذا شأن المشركين , الذين خسروا أنفسهم , فلم يدخلوا في هذا الدين ! والسياق قبل هذه الآية وبعدها كله عن المشركين . مما يرجح مكيتها كما قلنا من قبل في التعريف بالسورة . . وقد جرى المفسرون على تفسير مثل هذا التقرير: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم). . على أنهم يعرفون أنه منزل من عند الله حقا ; أو على أن النبى [ ص ] رسول من عندالله حقا , يوحى إليه بهذا القرآن . . وهذا جانب من مدلول النص فعلا ولكنا نلمح - باستصحاب الواقع التاريخي وموقف أهل الكتاب من هذا الدين فيه - أن هناك جانبا آخر من مدلول النص ; لعل الله - سبحانه - أراد أن يعلمه للجماعة المسلمة , ليستقر في وعيها على مدار التاريخ , وهي تواجه أهل الكتاب بهذا الدين . . إن أهل الكتاب يعرفون أن هذا الكتاب حق من عند الله ; ويعرفون - من ثم - ما فيه من سلطان وقوة ; ومن خير وصلاح ; ومن طاقة دافعة للأمة التي تدين بالعقيدة التي جاء بها ; وبالأخلاق التي تنبثق منها ; وبالنظام الذي يقوم عليها . ويحسبون كل حساب لهذا الكتاب وأهله ; ويعلمون جيدا أن الأرض لا تسعهم وتسع أهل الدين ! . . إنهم يعرفون ما فيه من حق , ويعرفون ما هم فيه من باطل . . ويعرفون أن الجاهلية التي صاروا إليها , وصارت إليها أوضاع قومهم وأخلاقهم وأنظمتهم , لا يمكن أن يهادنها هذا الدين , أو يبقى عليها . . وأنها - من ثم - معركة لا تهدأ حتى تجلو الجاهلية عن هذه الأرض , ويستعلي هذا الدين , ويكون الدين كله لله . . أي أن يكون السلطان في الأرض كله لله ; وأن يطارد المعتدون على سلطان الله في الأرض كلها . وبذلك وحده يكون الدين كله لله . . إن أهل الكتاب يعلمون جيدا هذه الحقيقة في هذا الدين . . ويعرفونه بها كما يعرفون أبناءهم . . وهم جيلا بعد جيل يدرسون هذا الدين دراسة دقيقة عميقة ; وينقبون عن أسرار قوته ; وعن مداخلة إلى النفوس ومساربه فيها ; ويبحثون بجد:كيف يستطيعون أن يفسدوا القوة الموجهة في هذا الدين ? كيف يلقون بالريب والشكوك في قلوب أهله ? كيف يحرفون الكلم فيه عن مواضعه ? كيف يصدون أهله عن العلم الحقيقي به ? كيف يحولونه من حركة دافعة تحطم الباطل والجاهلية وتسترد سلطان الله في الأرض وتطارد المعتدين على هذا السلطان , وتجعل الدين كله لله . . إلى حركة ثقافية بارده , وإلى بحوث نظرية ميتة , وإلى جدل لاهوتي أو فقهي أو طائفي فارغ ? كيف يفرغون مفهوماته في اوضاع وأنظمة وتصورات غريبة عنه مدمرة له , مع إيهام أهله أن عقيدتهم محترمة مصونة ?! كيف في النهاية يملأون فراغ العقيدة بتصورات أخرى ومفهومات أخرى واهتمامات أخرى , ليجهزوا على الجذور العاطفية الباقية من العقيدة الباهتة ?! إن أهل الكتاب يدرسون هذا الدين دراسة جادة عميقة فاحصة ; لا لأنهم يبحثون عن الحقيقية - كما يتوهم السذج من أهل هذا الدين ! - ولا لينصفوا هذا الدين وأصله - كما يتصور بعض المخدوعين حينما يرون اعترافا من باحث أو مستشرق بجانب طيب في هذا الدين ! - كلا ! إنما هم يقومون بهذه الدراسة الجادة العميقة الفاحصة , لأنهم يبحثون عن مقتل لهذا الدين ! لأنهم يبحثون عن منافذه ومساربه إلى الفطرة ليسدوها أو يميعوها ! لأنهم يبحثون عن أسرار قوته ليقاوموه منها ! لأنهم يريدون أن يعرفوا كيف يبني نفسه في النفوس ليبنوا على غراره التصورات المضادة التي يريدون ملء فراغ الناس بها ! وهم من أجل هذه الأهداف والملابسات كلها يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ! ومن واجبنا نحن أن نعرف ذلك . . وأن نعرف معه أننا نحن الأولى بأن نعرف ديننا كما نعرف أباءنا ! إن الواقع التاريخي من خلال أربعة عشر قرنا ينطق بحقيقة واحدة . . هي هذه الحقيقة التي يقررها القرآن الكريم في هذه الآية: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم). . ولكن هذه الحقيقة تتضح في هذه الفترة وتتجلى بصورة خاصة . . إن البحوث التي تكتب عن الإسلام في هذه الفترة تصدر بمعدل كتاب كل أسبوع ; بلغة من اللغات الأجنبية . . وتنطق هذه البحوث بمدى معرفة أهل الكتاب بكل صغيرة وكبيرة عن طبيعة هذا الدين وتاريخه , ومصادر قوته , ووسائل مقاومته , وطرق إفساد توجيهه ! ومعظمهم - بطبيعة الحال - لا يفصح عن نيته هذه ; فهم يعلمون أن الهجوم الصريح على هذا الدين كان يثير حماسة الدفاع والمقاومة ; وأن الحركات التي قامت لطرد الهجوم المسلح على هذا الدين - الممثل في الاستعمار - إنما كانت ترتكز على قاعدة من الوعي الديني أو على الأقل العاطفة الدينية ; وأن استمرار الهجوم على الإسلام - ولو في الصورة الفكرية - سيظل يثير حماسة الدفاع والمقاومة ! لذلك يلجأ معظمهم إلى طريقة أخبث . . يلجأ إلى إزجاء الثناء لهذا الدين , حتى ينوم المشاعر المتوفزة , ويخدر الحماسة المتحفزة , وينال ثقة القارى ء واطمئنانه . . ثم يضع السم في الكأس ويقدمها مترعة . . هذا الدين نعم عظيم . . ولكنه ينبغي أن يتطور بمفهوماته ويتطور كذلك بتنظيماته ليجاري الحضارة "الإنسانية " الحديثة ! وينبغي ألا يقف موقف المعارضة للتطورات التي وقعت في أوضاع المجتمع , وفي أشكال الحكم , وفي قيم الأخلاق ! وينبغي - في النهاية - أن يتمثل في صورة عقيدة في القلوب , ويدع الحياة الواقعية تنظمها نظريات وتجارب وأساليب الحضارة "الإنسانية " الحديثة ! ويقف فقط ليبارك ما تقرره الأرباب الأرضية من هذه التجارب والأساليب . . وبذلك يظل دينا عظيما . . !!! وفي أثناء عرض مواضع القوة والعمق في هذا الدين - وهي ظاهريا تبدو في صورة الإنصاف الخادع والثناء المخدر - يقصد المؤلف قومه من أهل الكتاب ; لينبههم إلى خطورة هذا الدين , وإلى أسرار قوته ; ويسير أمام الأجهزة المدمرة بهذا الضوء الكشاف , ليسددوا ضرباتهم على الهدف . وليعرفوا هذا الدين كما يعرفون أبناءهم ! إن أسرار هذا القرآن ستظل تتكشف لأصحابه ; جديده دائما ; كلما عاشوا في ظلاله ; وهم يخوضون معركة العقيدة ; ويتدبرون بوعي أحداث التاريخ ; ويطالعون بوعي أحداث الحاضر . ويرون بنور الله . الذي يكشف الحق , وينير الطريق . . الدرس الثاني:21 صور لخزي الكافرين الظالمين في الآخرة (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ? إنه لا يفلح الظالمون . ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا:أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ? ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا:والله ربنا ما كنا مشركين . انظر كيف كذبوا على أنفسهم , وضل عنهم ما كانوا يفترون). . هذا استطرد في مواجهة المشركين بحقيقة ما يزاولونه , ووصف موقفهم وعملهم في تقدير الله سبحانه . . مواجهة تبدأ باستفهام تقريري لظلمهم بافتراء الكذب على الله ; وذلك فيما كانوا يدعونه من أنهم على دينه الذي جاء به إبراهيم عليه السلام ; ومن زعمهم أن ما يحلونه وما يحرمونه من الأنعام والمطاعم والشعائر - كالذي سيجيء في آخر السورة مشفوعا بقوله تعالى:(بزعمهم)- هو من أمر الله . . وليس من أمره . وذلك كالذي يزعمه بعض من يدعون اليوم أنهم على دين الله الذي جاء به محمد [ ص ] ويقولون عن أنفسهم إنهم "مسلمون" ! وهو من الكذب المفترى على الله . ذلك أنهم يصدرون أحكاما وينشئون أوضاعا , ويبتدعون قيما من عند أنفسهم يغتصبون فيها سلطان الله ويدعونه لأنفسهم , ويزعمون أنها هي دين الله ; ويزعم لهم بعض من باعوا دينهم ليشتروا به مثوى في دركات الجحيم , أنه هو دين الله ! . . وباستنكار تكذيبهم كذلك بآيات الله , التي جاءهم بها النبى [ ص ] فردوها وعارضوها وجحدوها . وقالوا:إنها ليست من عند الله . بينما هم يزعمون أن ما يزاولونه في جاهليتهم هو الذي من عند الله ! وذلك كالذي يحدث من أهل الجاهلية اليوم . . حذوك النعل بالنعل . . يواجههم باستنكار هذا كله ; ووصفه بأنه أظلم الظلم: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته !). .
السابق - التالي
|