|
في ظلال القرآن
الكريم
الأنعام من الاية 8 الى الاية 8 وَقَالُواْ لَوْلا أُنزöلَ عَلَيْهö مَلَكñ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضöيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ (8)
(وقالوا:لولا أنزل عليه ملك ! ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون . ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا , وللبسنا عليهم ما يلبسون). . وهذا الاقتراح الذي كان المشركون يقترحونه ; والذي اقترحه من قبلهم أقوام كثيرون على رسلهم - كما يحكي القرآن الكريم في قصصهم - والرد القرآني عليه في هذا الموضع . . هذا وذاك يثيران جملة حقائق نلم بها هنا بقدر الإمكان: الحقيقة الأولى:أن أولئك المشركين من العرب لم يكونوا يجحدون الله ; ولكنهم كانوا يريدون برهانا على ان الرسول [ ص ] مرسل من عنده ; وأن هذا الكتاب الذي يتلوه عليه7م منزل من عند الله حقا . ويقترحون برهانا معينا:هو أن ينزل الله عليه ملكًا يصاحبه في الدعوة ويصدق دعواه . . ولم يكن هذا إلا اقتراحا من اقتراحات كثيرة من مثله , ورد ذكرها في القرآن في مواضع منه شتى . وذلك كالذي ورد في سورة الإسراء , وهو يتضمن هذا الاقتراح , واقتراحات من نوعه تدل كلها على التعنت الذي وصفته الآية السابقة , كما تدل على الجهل بكثير من الحقائق الكونية وكثير من القيم الحقيقية:(ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل , فأبى أكثر الناس إلا كفورا . وقالوا:لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا . أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا , أو تأتي بالله والملائكة قبيلا . أو يكون لك بيت من زخرف , أو ترقى في السماء , ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه . قل:سبحان ربي ! هل كنت إلا بشرا رسولا ? وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا:أبعث الله بشرا رسولا ? قل:لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولًا). . . [ الإسراء:89-95 ] . ومن مثل هذه الاقتراحات يتبين التعنت كما تتبين الجهالة . . وإلا فقد كان لهم من خلق رسول الله [ ص ] الذي يعرفونه جيدا بالخبرة الطويلة ; ما يدلهم على صدقة وأمانته وهم كانوا يلقبونه الأمين , ويودعون لديه أماناتهم حتى وهم معه على أشد الخلاف ; وقد هاجر [ ص ] وترك ابن عمه عليا - رضي الله عنه - يرد إلى قريش ودائعهم التي كانت ما تزال عنده ; وهم معه على الخلاف الذي يدبرون معه قتله ! وكذلك كان صدقه عندهم مستيقنا كأمانته ; فإنه لما دعاهم أول مرة دعوة جماعية جهرية على الصفا - حين أمره ربه بذلك - وسألهم:إن كانوا يصدقونه لو أنبأهم بنبأ , أجابوه كلهم بأنه عندهم مصدق . . فلو كانوا يريدون أن يعلموا صدقه لقد كان لهم في ماضيه برهان , ولقد كانوا يعلمون:إنه لصادق . . وسيأتي في سياق السورة خبر الله الصادق لنبيه:أنهم لا يكذبونه:(قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون . فإنهم لا يكذبونك . ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون). . فهي الرغبة في الإنكار والإعراض ; وهو العناد والاستكبار عن الحق . وليس أنهم يشكون في صدقه [ ص ] ! ثم لقد كان لهم في القرآن ذاته برهان أصدق من هذه البراهين المادية التي يطلبون . فإن هذا القرآن شاهد بذاته , بتعبيره ثم بمحتوى هذا التعبير , على أنه من عند الله . . وهم لم يكونوا يجحدون الله . . وهم - على وجه التأكيد - كانوا يحسون ذلك ويعرفونه . . كانوا يعرفون بحسهم اللغوي الأدبي الفني مدى الطاقة البشرية ; ويعرفون أن هذا القرآن فوق هذا المدى - وهذا الإحساس يعرفه من يمارس فن القول ويتذوقه أكثر مما يعرفه من ليست له هذه الممارسة . وكل من مارس فن القول يدرك إدراكا واضحا أن هذا القرآن فوق ما يملك البشر أن يبلغوا ; لا ينكر هذا إلا معاند يجد الحق في نفسه ثم يخفيه ! كما أن المحتوى القرآني من التصور الاعتقادي والمنهج الذي يتخذه لتقرير هذا الاعتقاد في الإدراك البشري , ونوع المؤثرات واللمسات الموحية . . كلها غير معهود في طبيعة التصورات البشرية والمناهج البشرية , والطرائق البشرية في الإداء النفسي والتعبيري أيضا . . والعرب لم يكن يخفي عليهم الشعور بهذا في قرارة نفوسهم . وأقوالهم ذاتها وأحوالهم تقرر أنهم ما كانوا يشكون في أن هذا القرآن من عند الله . . وهكذا يبدو أن هذه الاقتراحات لم تكن طلبا للبرهان ; إنما كانت وسيلة من وسائل الإعنات ; وأسلوبا من أساليب التعنت ; وخطة للمماحكة والمعاندة ; وأنهم كانوا كما قال الله سبحانه عنهم في الآية السابقة:(ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم , لقال الذين كفروا:إن هذا إلا سحر مبين)! والحقيقة الثانية:أن العرب كانوا يعرفون الملائكة ; وكانوا يطلبون أن ينزل الله على رسوله ملكا يدعو معه ويصدقه . . ولكنهم لم يكونوا يعرفون طبيعة هذا الخلق التي لا يعلمها إلا الله ; وكانوا يخبطون في التيه بلا دليل في تصور هذا الخلق ; وفي نوع علاقته بربه ; ونوع علاقته بالأرض وأهلها . . وقد حكى القرآن الكريم كثيرا من ضلالات العرب وأساطير الوثنية حول الملائكة ; وصححها كلها لهم ليستقيم تصور من يهتدي بهذا الدين منهم ; وتصح معرفتهم لهذا الكون وما يعمره من خلائق . وكان الإسلام - من هذا الجانب - منهجا لتقويم العقل والشعور , كما كان منهجا لتقويم القلب والضمير , ومنهجا لتقويم الأوضاع والأحوال سواء . . وحكى القرآن الكريم من أضاليل العرب ومن جهالاتهم في جاهليتهم , أنهم كانوا يظنون أن الملائكة بنات الله ! سبحانه وتعالى عما يصفون ! وأنهم - من ثم - لهم شفاعة عند الله لا ترد ! والراجح أن بعض كبار الأصنام كانت رموزا للملائكة ! كما حكى قولهم هذا في طلبهم أن ينزل الله على رسوله ملكا ليصدقه في دعواه . . وقد صحح لهم القرآن ضلالتهم الأولى في مواضع منه شتى . كالذي جاء في سورة النجم: أفرأيتم اللات والعزى ? ومناة الثالثة الأخرى ? ألكم الذكر وله الأنثى ? تلك إذا قسمة ضيزى ! إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان , إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس , ولقد جاءهم من ربهم الهدى . أم للإنسان ما تمنى ? فلله الآخرة والأولى . وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى . إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى . وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن , وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا . كما صحح لهم ضلالتهم الثانية في تصورهم لطبيعة الملائكة في هاتين الآيتين في هذه السورة وفي مواضع أخرى كثيرة: (وقالوا:لولا أنزل عليه ملك ! ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون). . وهذا جانب من التعريف بهذا الخلق من عباد الله . . إنهم يقترحون أن ينزل الله ملكا . ولكن سنة الله أن ينزل الملائكة - حين ينزلون إلى الأرض على قوم كذبوا برسولهم - أن ينزلوا للتدمير عليهم , وتحقيق أمر الله فيهم بالهلاك والدمار . ولو أن الله استجاب للمشركين من العرب فأنزل ملكا , لقضي الأمر , وتم التدمير , ولم ينظروا إلى مهلة بعد هذا التنزيل ! فهل هذا ما يريدون وما يقترحون ? وهلا يستشعرون رحمة الله في عدم إجابتهم لما يقترحون لأنفسهم من الهلاك المبين ?! . . هكذا يقفهم السياق وجها لوجه أمام رحمة الله بهم وحلمه عليهم ; وأمام جهلهم بمصلحة أنفسهم , وجهلهم بسنة الله في تنزيل الملائكة . . وهم بهذا الجهل الذي يكاد يدمر عليهم حياتهم , يرفضون الهدى ويرفضون الرحمة ويتعنتون في طلب الدليل ! والجانب الثاني من التعريف بهذا الخلق من عباد الله تتضمنه الآية الثانية: السابق - التالي
|