ويملك أن يزاد عليها , إذا هو عرف فشكر ; كما يملك أن يزيل هذه النعمة عنه إذا هو أنكر وبطر , وانحرفت نواياه فانحرفت خطاه . وهذه الحقيقة الكبيرة تمثل جانباً من جوانب "التصور الإسلامي لحقيقة الإنسان" ; وعلاقة قدر الله به في هذا الوجود ; وعلاقته هو بهذا الكون وما يجري فيه . . ومن هذا الجانب يتبين تقدير هذا الكائن في ميزان الله ; وتكريمه بهذا التقدير ; كما تتبين فاعلية الإنسان في مصير نفسه وفي مصير الأحداث من حوله ; فيبدو عنصراً إيجابياً في صياغة هذا المصير - بإذن الله وقدره الذي يجري من خلال حركته وعمله ونيته وسلوكه - وتنتفي عنه تلك السلبية الذليلة التي تفرضها عليه المذاهب المادية , التي تصوره عنصراً سلبياً إزاء الحتميات الجبارة . حتمية الاقتصاد , وحتمية التاريخ , وحتمية التطور . . . إلى آخر الحتميات التي ليس للكائن الإنساني إزاءها حول ولا قوة , ولا يملك إلا الخضوع المطلق لما تفرضه عليه وهو ضائع خانع مذلول !
كذلك تصور هذه الحقيقة ذلك التلازم بين العمل والجزاء في حياة هذا الكائن ونشاطه ; وتصور عدل الله المطلق , في جعل هذا التلازم سنة من سننه يجري بها قدره , ولا يظلم فيها عبد من عبيده:
وان الله ليس بظلام للعبيد . .
(فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين). .
(ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)
. . والحمد لله رب العالمين . .
الوحدة الرابعة:55 - 75 الموضوع:قواعد في السلم والحرب والمعاهدات والعلاقات الدولية
ومنه تتبين عدة قواعد وأحكام بعضها نهائي في موضوعه ; وبعضها مرحلي كان يواجه أحوالاً معينة واقعة , ثم أدخلت عليه التعديلات النهائية المستقرة في سورة التوبة قرب نهاية العهد المدني . ومن بين هذه القواعد والأحكام حسب ورودها في السياق القرآني:
أن الذين يعاهدون المعسكر الإسلامي , ثم يخلفون عهدهم معه هم شر الدواب . . ومن ثم ينبغي أن يؤدبهم المعسكر الإسلامي تأديباً يلحظ فيه الإرهاب الذي يشردهم ويشرد من وراءهم ممن تراودهم نية نقض العهد أو نية مهاجمة المعسكر الإسلامي .
أن المعاهدين الذين تخشى القيادة الإسلامية منهم نقض العهد والخيانة ; فإن لهذه القيادة أن تنبذ إليهم عهدهم , وتعلنهم بإلغائه . ومن ثم تصبح في حل من قتالهم وتأديبهم وإرهاب من وراءهم من أمثالهم .
أنه يجب على المعسكر الإسلامي إعداد العدة دائماً واستكمال القوة بأقصى الحدود الممكنة ; لتكون القوة المهتدية هي القوة العليا في الأرض ; التي ترهبها جميع القوى المبطلة ; والتي تتسامع بها هذه القوى في أرجاء الأرض , فتهاب أولا أن تهاجم دار الاسلام ; وتستسلم كذلك لسلطان الله فلا تمنع داعية إلى الإسلام في أرضها من الدعوة , ولا تصد أحداً من أهلها عن الاستجابة , ولا تدعي حق الحاكمية وتعبيد الناس , حتى يكون الدين كله لله .
أنه إذا جنح فريق من غير المسلمين إلى مسالمة المعسكر الإسلامي وموادعته وعدم الوقوف في وجهه فإن القيادة الإسلامية تقبل منهم المسالمة , وتعاهدهم عليها . فإن أضمروا الخديعة ولم يبد في الظاهر ما يدل عليها , ترك أمرهم إلى الله , وهو يكفي المسلمين شر الخادعين .
أن الجهاد فريضة على المسلمين حتى لو كان عدد أعدائهم أضعاف عددهم . وأنهم منصورون بعون الله على أعدائهم , وان الواحد منهم كفء لعشرة من الأعداء , وكفء لاثنين في أضعف الحالات وفريضة الجهاد إذن لا تنتظر تكافؤ القوى الظاهرة بين المؤمنين وعدوهم ; فحسب المؤمنين أن يعدوا ما استطاعوا من القوى , وأن يثقوا بالله , وأن يثبتوا في المعركة , ويصبروا عليها ; والبقية على الله . ذلك أنهم يملكون قوة أخرى غير القوى المادية الظاهرة . .
أن المعسكر الإسلامي يجب أن يكون همه ابتداء القضاء على قوة الطاغوت بتحطيم كل أسباب القوة . فإذا كان أسر المقاتلين وفداؤهم لا يحقق هذه الغاية , فان هذا الاجراء يستبعد . . ذلك أنه لا يكون للرسل وأتباعهم أسرى إلا بعد أن يثخنوا في الأرض , فيدمروا قوة عدوهم , ويستعلوا هم في الأرض ويتمكنوا بقوتهم ; وعندئذ لا يكون هناك من بأس في أخذ الأسرى وفدائهم . أما قبل ذلك فالتقتيل في المعركة أولى وأجدى .
أن الغنائم حل للمسلمين في المعركة من أموال المشركين . كما أحل لهم أن يأخذوا فدية الأسرى بعد أن يثخنوا في الأرض ويتمكنوا فيها ويخضدوا شوكة عدوهم ويحطموها .
أن الأسرى في المعسكر المسلم ينبغي أن يرغبوا في الإسلام . بوعد الله لهم أن يعطيهم خيراً مما أخذ منهم من الغنيمة أو الفداء . مع تحذيرهم من الخيانة ببأس الله الذي أمكن منهم أول مرة .
أن آصرة التجمع في المجتمع الإسلامي هي العقيدة ; ولكن الولاء في هذا المجتمع لا يكون إلا على أساس