(قال:لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض . بصائر . وإني لأظنك يا فرعون مثبورا)هالكا مدمرا , جزاء تكذيبك بآيات الله وأنت تعلم أن لا أحد غيره يملك هذه الخوارق . وإنها لواضحة مكشوفة منيرة للبصائر , حتى لكأنها البصائر تكشف الحقائق وتجلوها .
وعندئذ يلجأ الطاغية إلى قوته المادية , ويعزم أن يزيلهم من الأرض ويبيدهم , (فأراد أن يستفزهم من الأرض)فكذلك يفكر الطغاة في الرد على كلمة الحق .
وعندئذ تحق على الطاغية كلمة الله , وتجري سنته بإهلاك الظالمين وتوريث المستضعفين الصابرين: (فأغرقناه ومن معه جميعا . وقلنا من بعده لبني إسرائيل:اسكنوا الأرض . فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا). .
وهكذا كانت عاقبة التكذيب بالآيات . وهكذا أورث الله الأرض للذين كانوا يستضعفون , موكولين فيها إلى أعمالهم وسلوكهم - وقد عرفنا كيف كان مصيرهم في أول السورة - أما هنا فهو يكلهم هم وأعداءهم إلى جزاء الآخرة , (فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا).
الدرس العاشر:105 - 109 القرآن كلام الله وتفاعل الصالحين به
ذلك مثل من الخوارق , وكيف استقبلها المكذبون , وكيف جرت سنة الله مع المكذبين . فأما هذا القرآن فقد جاء بالحق ليكون آية دائمة , ونزل مفرقا ليقرأ على مهل في الزمن الطويل:
(وبالحق أنزلناه وبالحق نزل , وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا , وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا). .
لقد جاء هذا القرآن ليربي أمة , ويقيم لها نظاما , فتحمله هذه الأمة إلى مشارق الأرض ومغاربها , وتعلم به البشرية هذا النظام وفق المنهج الكامل المتكامل . ومن ثم فقد جاء هذا القرآن مفرقا وفق الحاجات الواقعية لتلك الأمة , ووفق الملابسات التي صاحبت فترة التربية الأولى . والتربية تتم في الزمن الطويل , وبالتجربة العملية في الزمن الطويل . جاء ليكون منهجا عمليا يتحقق جزءا جزءا في مرحلة الإعداد , لا فقها نظريا ولا فكرة تجريدية تعرض للقراءة والاستمتاع الذهني !
وتلك حكمة نزوله متفرقا , لا كتابا كاملا منذ اللحظة الأولى .
ولقد تلقاه الجيل الأول من المسلمين على هذا المعنى . تلقوه توجيها يطبق في واقع الحياة كلما جاءهم منه أمر أو نهى , وكلما تلقوا منه أدبا أو فريضة . ولم يأخذوه متعة عقلية أو نفسية كما كانوا يأخذون الشعر والأدب ; ولا تسلية وتلهية كما كانوا يأخذون القصص والأساطير فتكيفوا به في حياتهم اليومية . تكيفوا به في مشاعرهم وضمائرهم , وفي سلوكهم ونشاطهم . وفي بيوتهم ومعاشهم . فكان منهج حياتهم الذي طرحوا كل ما عداه مما ورثوه , ومما عرفوه , ومما مارسوه قبل أن يأتيهم هذا القرآن .
قال ابن مسعود - رضي الله عنه - كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن .
ولقد أنزل الله هذا القرآن قائما على الحق: (وبالحق أنزلناه)فنزل ليقر الحق في الأرض ويثبته: (وبالحق نزل). . فالحق مادته والحق غايته . ومن الحق قوامه , وبالحق اهتمامه . . الحق الأصيل الثابت في ناموس الوجود , والذي خلق الله السماوات والأرض قائمين به , متلبسا بهما , والقرآن مرتبط بناموس الوجود كله , يشير إليه ويدل عليه وهو طرف منه . فالحق سداه ولحمته , والحق مادته وغايته . والرسول مبشر ومنذر بهذا الحق الذي جاء به .