وهنا يأمر الرسول [ ص ] أن يجبه القوم بهذا الحق , ويدع لهم أن يختاروا طريقهم . إن شاءوا آمنوا بالقرآن وإن شاءوا لم يؤمنوا . وعليهم تبعة ما يختارون لأنفسهم . ويضع أمام أنظارهم نموذجا من تلقي الذين أوتوا العلم من قبله من اليهود والنصارى المؤمنين لهذا القرآن , لعل لهم فيه قدوة وأسوة وهم الأميون الذين لم يؤتوا علما ولا كتابا:
(قل:آمنوا به أو لا تؤمنوا . إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا , ويقولون:سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ; ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا). .
وهو مشهد موح يلمس الوجدان . مشهد الذين أوتوا العلم من قبله , وهم يسمعون القرآن , فيخشعون , و (يخرون للأذقان سجدا)إنهم لا يتمالكون أنفسهم , فهم لا يسجدون ولكن (يخرون للأذقان سجدا)ثم تنطق ألسنتهم بما خالج مشاعرهم من إحساس بعظمة الله وصدق وعده: (سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا). ويغلبهم التأثر فلا تكفي الألفاظ في تصوير ما يجيش في صدورهم منه , فإذا الدموع تنطلق معبرة عن ذلك التأثر الغامر الذي لا تصوره الألفاظ: (ويخرون للأذقان يبكون). . (ويزيدهم خشوعا)فوق ما استقبلوه به من خشوع .
إنه مشهد مصور لحالة شعورية غامرة , يرسم تأثير هذا القرآن في القلوب المتفتحة لاستقبال فيضه ; العارفة بطبيعته وقيمته بسبب ما أوتيت من العلم قبله . والعلم المقصود هو ما أنزله الله من الكتاب قبل القرآن , فالعلم الحق هو ما جاء من عند الله .
الدرس الحدي عشر:110 - 111 توجيه للعبادة والدعاء والذكر
هذا المشهد الموحي للذين أتوا العلم من قبل يعرضه السياق بعد تخيير القوم في أن يؤمنوا بهذا القرآن أولا يؤمنوا , ثم يعقب عليه بتركهم يدعون اللّه بما بما شاءوا من الأسماء - وقد كانوا بسبب أوهامهم الجاهلية ينكرون تسمية اللّه بالرحمن , ويستبعدون هذا الاسم من أسماء اللّه - فكلها اسماؤه فما شاءوا منها فليدعوه بها:
قل:ادعو اللّه أو ادعوا الرحمن . أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى .
وإن هي إلا سخافات الجاهلية وأوهام الوثنية التي لا تثبت للمناقشة والتعليل .
كذلك يؤمر الرسول [ ص ] أن يتوسط في صلاته بين الجهر والخفوت لما كانوا يقابلون به صلاته من استهزاء وايذاء , أو من نفور وابتعاد ولعل الأمر كذلك لأن التوسط بين الجهر والخفاء أليق بالوقوف في حضرة الله:
(ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا). .
وتختم السورة كما بدأت بحمد الله وتقرير وحدانيته بلا ولد ولا شريك , وتنزيهه عن الحاجة إلى الولي والنصير . وهو العلي الكبير . فيلخص هذا الختام محور السورة الذي دارت عليه , والذي بدأت ثم ختمت به:
(وقل:الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا , ولم يكن له شريك في الملك . ولم يكن له ولي من الذل . وكبره تكبيرا). .