فلم تدافعهم ولم تضرب على أيديهم , سلط الله هؤلاء المترفين ففسقوا فيها , فعم فيها الفسق , فتحللت وترهلت , فحقت عليها سنة الله , وأصابها الدمار والهلاك . وهي المسؤولة عما يحل بها لأنها لم تضرب على أيدي المترفين , ولم تصلح من نظامها الذي يسمح بوجود المترفين . فوجود المترفين ذاته هو السبب الذي من أجله سلطهم الله عليها ففسقوا , ولو أخذت عليهم الطريق فلم تسمح لهم بالظهور فيها ما استحقت الهلاك , وما سلط الله عليها من يفسق فيها ويفسد فيقودها إلى الهلاك . إن إرادة الله قد جعلت للحياة البشرية نواميس لا تتخلف , وسننا لا تتبدل , وحين توجد الأسباب تتبعها النتائج فنفذ إرادة الله وتحق كلمته . والله لا يأمر بالفسق , لأن الله لا يأمر بالفحشاء . لكن وجود المترفين في ذاته , دليل على أن الأمة قد تخلخل بناؤها , وسارت في طريق الانحلال , وأن قدر الله سيصيبها جزاء وفاقا . وهي التي تعرضت لسنة الله بسماحها للمترفين بالوجود والحياة .
فالإرادة هنا ليست إرادة للتوجيه القهري الذي ينشيء السبب , ولكنها ترتب النتيجة على السبب . الأمر الذي لا مفر منه لأن السنة جرت به . والأمر ليس أمرا توجيهيا إلى الفسق , ولكنه إنشاء النتيجة الطبيعية المترتبة على وجود المترفين وهي الفسق .
وهنا تبرز تبعة الجماعة في ترك النظم الفاسدة تنشيء آثارها التي لا مفر منها . وعدم الضرب على أيدي المترفين فيها كي لا يفسقوا فيها فيحق عليها القول فيدمرها تدميرا .
هذه السنة قد مضت في الأولين من بعد نوح , قرنا بعد قرن , كلما فشت الذنوب في أمة انتهت بها إلى ذلك المصير , والله هو الخبير بذنوب عباده البصير:
(وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح , وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا).
الدرس الخامس:18 - 21 بين من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة
وبعد فإن من أراد أن يعيش لهذه الدنيا وحدها , فلا يتطلع إلى أعلى من الأرض التي يعيش فيها , فإن الله يعجل له حظه في الدنيا حين يشاء , ثم تنتظره في الآخرة جهنم عن استحقاق . فالذين لا يتطلعون إلى أبعد من هذه الأرض يتلطخون بوحلها ودنسها ورجسها , ويستمتعون فيها كالأنعام , ويستسلمون فيها للشهوات والنزعات . ويرتكبون في سبيل تحصيل اللذة الأرضية ما يؤدي بهم إلى جهنم:
(من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد , ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا).
مذموما بما ارتكب , مدحورا بما انتهى إليه من عذاب .
(ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا).
والذي يريد الآخرة لا بد أن يسعى لها سعيها , فيؤدي تكاليفها , وينهض بتبعاتها , ويقيم سعيه لها على الإيمان . وليس الإيمان بالتمني , ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل . والسعي للآخرة لا يحرم المرء من لذائذ الدنيا الطيبة , إنما يمد بالبصر إلى آفاق أعلى فلا يكون المتاع في الأرض هو الهدف والغاية . ولا ضير بعد ذلك من المتاع حين يملك إنسان نفسه , فلا يكون عبدا لهذا المتاع .
وإذا كان الذي يريد العاجلة ينتهي إلى جهنم مذموما مدحورا , فالذي يريد الآخرة ويسعى لها سعيها ينتهي إليها مشكورا يتلقى التكريم في الملأ الأعلى جزاء السعي الكريم لهدف كريم , وجزاء التطلع إلى الأفق البعيد الوضيء .