(وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه). . فهو أمر بتوحيد المعبود بعد النهي عن الشرك . أمر في صورة قضاء . فهو أمر حتمي حتمية القضاء . ولفظة(قضى)تخلع على الأمر معنى التوكيد , إلى جانب القصر الذي يفيده النفي والاستثناء (ألا تعبدوا إلا إياه)فتبدو في جو التعبير كله ظلال التوكيد والتشديد .
فإذا وضعت القاعدة , وأقيم الأساس , جاءت التكاليف الفردية والاجتماعية , ولها في النفس ركيزة من العقيدة في الله الواحد , توحد البواعث والأهداف من التكاليف والأعمال .
والرابطة الأولى بعد رابطة العقيدة , هي رابطة الأسرة , ومن ثم يربط السياق بر الوالدين بعبادة الله , إعلانا لقيمة هذا البر عند الله:
(وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما:أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما , واخفض لهما جناح الذل من الرحمة , وقل:رب ارحمهما كما ربياني صغيرا).
بهذه العبارات الندية , والصور الموحية , يستجيش القرآن الكريم وجدان البر والرحمة في قلوب الأبناء . ذلك أن الحياة وهي مندفعة في طريقها بالأحياء , توجه اهتمامهم القوي إلى الأمام . إلى الذرية . إلى الناشئة الجديدة . إلى الجيل المقبل . وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء . إلى الأبوة . إلى الحياة المولية . إلى الجيل الذاهب ! ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة لتنعطف إلى الخلف , وتتلفت إلى الآباء والأمهات .
إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد . إلى التضحية بكل شيء حتى بالذات . وكما تمتص النابتة الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هي فتات , ويمتص الفرخ كل غذاء في البيضة فإذا هي قشر ; كذلك يمتص الأولاد كل رحيق وكل عافية وكل جهد وكل اهتمام من الوالدين فإذا هما شيخوخة فانية - إن أمهلهما الأجل - وهما مع ذلك سعيدان !
فأما الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كله , ويندفعون بدروهم إلى الأمام . إلى الزوجات والذرية . . وهكذا تندفع الحياة .
ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء . إنما يحتاج هؤلاء إلى استجاشة وجدانهم بقوة ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف !
وهنا يجيء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله يحمل معنى الأمر المؤكد , بعد الأمر المؤكد بعبادة الله .
ثم يأخذ السياق في تظليل الجو كله بأرق الظلال ; وفي استجاشة الوجدان بذكريات الطفولة ومشاعر الحب والعطف والحنان:
(إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما). . والكبر له جلاله , وضعف الكبر له إيحاؤه ; وكلمة(عندك)تصور معنى الالتجاء والاحتماء في حالة الكبر والضعف . . (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما)وهي أول مرتبة من مراتب الرعاية والأدب ألا يند من الولد ما يدل على الضجر والضيق , وما يشي بالإهانة وسوء الأدب . . (وقل لهما قولا كريما)وهي مرتبة أعلى إيجابية أن يكون كلامه لهما يشي بالإكرام والاحترام . . (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة)وهنا يشف التعبير ويلطف , ويبلغ شغاف القلب وحنايا الوجدان . فهي الرحمة ترق وتلطف حتى لكأنها الذل الذي لا يرفع عينا , ولا يرفض أمرا . وكأنما للذل جناح يخفضه إيذانا بالسلام