والاسستسلام . (وقل:رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)فهي الذكرى الحانية . ذكرى الطفولة الضعيفة يرعاها الولدان , وهما اليوم في مثلها من الضعف والحاجة إلى الرعاية والحنان . وهو التوجه إلى الله أن يرحمهما فرحمة الله أوسع , ورعاية الله أشمل , وجناب الله أرحب . وهو أقدر على جزائهما بما بذلا من دمهما وقلبهما مما لا يقدر على جزائه الأبناء . قال الحافظ أبو بكر البزار - بإسناده - عن بريدة عن أبيه:أن رجلا كان في الطواف حاملا أمه يطوف بها فسأل النبي [ ص ] هل أديت حقها ? قال:لا . ولا بزفرة واحدة .
ولأن الانفعالات والحركات موصولة بالعقيدة في السياق , فإنه يعقب على ذلك برجع الأمر كله لله الذي يعلم النوايا , ويعلم ما وراء الأقوال والأفعال:
(ربكم أعلم بما في نفوسكم , إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا).
وجاء هذا النص قبل أن يمضي في بقية التكاليف والواجبات والآداب ليرجع إليه كل قول وكل فعل ; وليفتح باب التوبة والرحمة لمن يخطيء أو يقصر , ثم يرجع فيتوب من الخطأ والتقصير .
وما دام القلب صالحا , فإن باب المغفرة مفتوح . والأوابون هم الذين كلما أخطأوا عادوا إلى ربهم مستغفرين .
الدرس الثاني:26 - 28 إعطاء الآخرين حقوقهم والنهي عن التبذير
ثم يمضي السياق بعد الوالدين إلى ذوي القربى أجمعين ; ويصل بهم المساكين وابن السبيل , متوسعا في القرابات حتى تشمل الروابط الإنسانية بمعناها الكبير:
(وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا , إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين , وكان الشيطان لربه كفورا ; وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها , فقل لهم قولا ميسورا).
والقرآن يجعل لذي القربى والمسكين وابن السبيل حقا في الأعناق يوفى بالإنفاق . فليس هو تفضلا من أحد على أحد ; إنما هو الحق الذي فرضه الله , ووصله بعبادته وتوحيده . الحق الذي يؤديه المكلف فيبريء ذمته , ويصل المودة بينه وبين من يعطيه , وإن هو إلا مؤد ما عليه لله .
وينهى القرآن عن التبذير . والتبذير - كما يفسره ابن مسعود وابن عباس - الإنفاق في غير حق . وقال مجاهد:لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرا , ولو أنفق مدا في غير حق كان مبذرا .
فليست هي الكثرة والقلة في الإنفاق . إنما هو موضع الإنفاق . ومن ثم كان المبذرون إخوان الشياطين , لأنهم ينفقون في الباطل , وينفقون في الشر , وينفقون في المعصية . فهم رفقاء الشياطين وصحابهم (وكان الشيطان لربه كفورا)لا يؤدي حق النعمة , كذلك إخوانه المبذرون لا يؤدون حق النعمة , وحقها أن ينفقوها في الطاعات والحقوق , غير متجاوزين ولا مبذرين .
فإذا لم يجد إنسان ما يؤدي به حق ذوي القربى والمساكين وابن السبيل واستحيا أن يواجههم , وتوجه إلى الله يرجو أن يرزقه ويرزقهم , فليعدهم إلى ميسرة , وليقل لهم قولا لينا , فلا يضيق بهم صدره , ولا يسكت ويدعهم فيحسوا بالضيق في سكوته , في القول الميسور عوض وأمل وتجمل .
الدرس الثالث:29 - 30 التوسط في الإنفاق والرزق من الله
وبمناسبة التبذير والنهي عنه يأمر بالتوسط في الإنفاق كافة:
(ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا). .