والتوازن هو القاعدة الكبرى في النهج الإسلامي , والغلو كالتفريط يخل بالتوازن . والتعبير هنا يجري على طريقة التصوير ; فيرسم البخل يدا مغلولة إلى العنق , ويرسم الإسراف يدا مبسوطة كل البسط لا تمسك شيئا , ويرسم نهاية البخل ونهاية الإسراف قعدة كقعدة الملوم المحسور . والحسير في اللغة الدابة تعجز عن السير فتقف ضعفا وعجزا . فكذلك البخيل يحسره بخله فيقف . وكذلك المسرف ينتهي به سرفه إلى وقفة الحسير . ملوما في الحالتين على البخل وعلى السرف , وخير الأمور الوسط .
ثم يعقب على الأمر بالتوسط بأن الرازق هو الله . هو الذي يبسط في الرزق ويوسع , وهو الذي يقدر في الرزق ويضيق . ومعطي الرزق هو الآمر بالتوسط في الإنفاق:
(إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر , إنه كان بعباده خبيرا بصيرا).
يبسط الرزق لمن يشاء عن خبرة وبصر , ويقدر الرزق لمن يشاء عن خبرة وبصر . ويأمر بالقصد والاعتدال , وينهى عن البخل والسرف , وهو الخبير البصير بالأقوم في جميع الأحوال ; وقد أنزل هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم في جميع الأحوال .
الدرس الرابع:31 النهي عن قتل الأولاد وعن الزنا
وكان بعض أهل الجاهلية يقتلون البنات خشية الفقر والإملاق ; فلما قرر في الآية السابقة أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر , أتبعه بالنهي عن قتل الأولاد خشية الإملاق في المكان المناسب من السياق . فما دام الرزق بيد الله , فلا علاقة إذن بين الإملاق وكثرة النسل أو نوع النسل ; إنما الأمر كله إلى الله . ومتى انتفت العلاقة بين الفقر والنسل من تفكير الناس , وصححت عقيدتهم من هذه الناحية فقد انتفى الدافع إلى تلك الفعلة الوحشية المنافية لفطرة الأحياء وسنة الحياة:
(ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم , إن قتلهم كان خطأ كبيرا). .
إن انحراف العقيدة وفسادها ينشيء آثاره في حياة الجماعة الواقعية , ولا يقتصر على فساد الاعتقاد والطقوس التعبدية . وتصحيح العقيدة ينشيء آثاره في صحة المشاعر وسلامتها , وفي سلامة الحياة الاجتماعية واستقامتها . وهذا المثل من وأد البنات مثل بارز على آثار العقيدة في واقع الجماعة الإنسانية . وشاهد على أن الحياة لا يمكن إلا أن تتأثر بالعقيدة , وأن العقيدة لا يمكن أن تعيش في معزل عن الحياة .
ثم نقف هنا لحظة أمام مثل من دقائق التعبير القرآني العجيبة .
ففي هذا الموضع قدم رزق الأبناء على رزق الآباء: نحن نرزقهم وإياكم وفي سورة الأنعام قدم رزق الآباء على رزق الأبناء: (نحن نرزقكم وإياهم). وذلك بسبب اختلاف آخر في مدلول النصين . فهذا النص: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم :والنص الآخر (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم).
هنا قتل الأولاد خشية وقوع الفقر بسببهم فقدم رزق الأولاد . وفي الأنعام قتلهم بسبب فقر الآباء فعلا . فقدم رزق الآباء . فكان التقديم والتأخير وفق مقتضى الدلالات التعبيرية هنا وهناك .
ومن النهي عن قتل الأولاد إلى النهي عن الزنا:
ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا . .
وبين قتل الأولاد والزنا صلة ومناسبة - وقد توسط النهي عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس - لذات الصلة وذات المناسبة .