المسلم حرام دمه وعرضه وماله " ولكنه يشدد في مال اليتيم ويبرز النهي عن مجرد قربه إلا بالتي هي أحسن . ذلك أن اليتيم ضعيف عن تدبير ماله , ضعيف عن الذود عنه , والجماعة الإسلامية مكلفة برعاية اليتيم وماله حتى يبلغ أشده ويرشد ويستطيع أن يدبر ماله وأن يدفع عنه . ومما يلاحظ في هذه الأوامر والنواهي أن الأمور التي يكلف بها كل فرد بصفته الفردية جاء الأمر أو النهي فيها بصيغة المفرد ; أما الأمور التي تناط بالجماعة فقد جاء الأمر أوالنهي فيها بصيغة الجمع , ففي الإحسان للوالدين وإيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل , وعدم التبذير , والتوسط في الإنفاق بين البخل والسرف , وفي التثبت من الحق والنهي عن الخيلاء والكبر . . كان الأمر أو النهي بصيغة المفرد لما لها من صبغة فردية . وفي النهي عن قتل الأولاد وعن الزنا وعن قتل النفس , والأمر برعاية مال اليتيم والوفاء بالعهد , وإيفاء الكيل والميزان كان الأمر أو النهي بصيغة الجمع لما لها من صبغة جماعية .
ومن ثم جاء النهي عن قرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن في صيغة الجمع , لتكون الجماعة كلها مسؤولة عن اليتيم وماله , فهذا عهد عليها بوصفها جماعة .
ولأن رعاية مال اليتيم عهد على الجماعة ألحق به الأمر بالوفاء بالعهد إطلاقا . (وأفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا). . يسأل الله جل جلاله عن الوفاء به , ويحاسب من ينكث به وينقضه .
وقد أكد الإسلام على الوفاء بالعهد وشدد . لأن هذا الوفاء مناط الاستقامة والثقة والنظافة في ضمير الفرد وفي حياة الجماعة . وقد تكرر الحديث عن الوفاء بالعهد في صور شتى في القرآن والحديث ; سواء في ذلك عهد الله وعهد الناس . عهد الفرد وعهد الجماعة وعهد الدولة . عهد الحاكم وعهد المحكوم . وبلغ الإسلام في واقعه التاريخي شأوا بعيدا في الوفاء بالعهود لم تبلغه البشرية إلا في ظل الإسلام .
الدرس السابع:35 توفية الكيل والميزان
ومن الوفاء بالعهد إلى إيفاء الكيل والميزان:
(وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم . ذلك خير وأحسن تأويلا). .
والمناسبة بين الوفاء بالعهد وإيفاء الكيل والميزان ظاهرة في المعنى واللفظ , فالانتقال في السياق ملحوظ التناسق .
وإيفاء الكيل والاستقامة في الوزن , أمانة في التعامل , ونظافة في القلب , يستقيم بهما التعامل في الجماعة , وتتوافر بهما الثقة في النفوس , وتتم بهما البركة في الحياة . (ذلك خير و أحسن تأويلا). . خير في الدنيا وأحسن مآلا في الآخرة .
والرسول [ ص ] يقول:" لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه , ليس به إلا مخافة الله , إلا أبدله الله به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير من ذلك " .
والطمع في الكيل والوزن قذارة وصغار في النفس , وغش وخيانة في التعامل تتزعزع بهما الثقة , ويتبعها الكساد , وتقل بهما البركة في محيط الجماعة , فيرتد هذا على الأفراد ; وهم يحسبون أنهم كاسبون بالتطفيف .