وهو كسب ظاهري ووقتي , لأن الكساد في الجماعة يعود على الأفراد بعد حين . وهذه حقيقة أدركها بعيدو النظر في عالم التجارة فاتبعوها , ولم يكن الدافع الأخلاقي , أو الحافز الديني هو الباعث عليها ; بل مجرد إدراكها في واقع السوق بالتجربة العملية .
والفارق بين من يلتزم إيفاء الكيل والميزان تجارة , ومن يلتزمه اعتقادا . . أن هذا يحقق أهداف ذاك ; ويزيد عليه نظافة القلب والتطلع في نشاطه العملي إلى آفاق أعلى من الأرض , وأوسع في تصور الحياة وتذوقها .
وهكذا يحقق الإسلام دائما أهداف الحياة العملية وهو ماض في طريقه إلى آفاقه الوضيئة وآماده البعيدة , ومجالاته الرحيبة .
الدرس الثامن:36 النهي عن القول بدون علم وتقرير منهجية علمية
والعقيدة الإسلامية عقيدة الوضوح والاستقامة والنصاعة . فلا يقوم شيء فيها على الظن أو الوهم أو الشبهة:
(ولا تقف ما ليس لك به علم . إن السمع والبصر والفؤاد . . كل أولئك كان عنه مسؤولا). . .
وهذه الكلمات القليلة تقيم منهجا كاملا للقلب والعقل , يشمل المنهج العلمي الذي عرفته البشرية حديثا جدا , ويضيف إليه استقامة القلب ومراقبة الله , ميزة الإسلام على المناهج العقلية الجافة !
فالتثبيت من كل خبر ومن كل ظاهرة ومن كل حركة قبل الحكم عليها هو دعوة القرآن الكريم , ومنهج الإسلام الدقيق . ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج لم يبق مجال للوهم والخرافة في عالم العقيدة . ولم يبق مجال للظن والشبهة في عالم الحكم والقضاء والتعامل . ولم يبق مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية في عالم البحوث والتجارب والعلوم .
والأمانة العلمية التي يشيد بها الناس في العصر الحديث ليست سوى طرف من الأمانة العقلية القلبية التي يعلن القرآن تبعتها الكبرى , ويجعل الإنسان مسؤولا عن سمعه وبصره وفؤاده , أمام واهب السمع والبصر والفؤاد . .
إنها أمانة الجوارح والحواس والعقل والقلب . أمانة يسأل عنها صاحبها , وتسأل عنها الجوارح والحواس والعقل والقلب جميعا . أمانة يرتعش الوجدان لدقتها وجسامتها كلما نطق اللسان بكلمة , وكلما روى الإنسان رواية , وكلما أصدر حكما على شخص أو أمر أو حادثة .
(ولا تقف ما ليس لك به علم). . ولا تتبع ما لم تعلمه علم اليقين , وما لم تتثبت من صحته:من قول يقال ورواية تروى . من ظاهرة تفسر أو واقعة تعلل . ومن حكم شرعي أو قضية اعتقادية .
وفي الحديث " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " . وفي سنن أبي داود:" بئس مطية الرجل:زعموا " وفي الحديث الآخر:" إن أفرى الفري أن يري الرجل عينيه ما لم تريا " . .
وهكذا تتضافر الآيات والأحاديث على تقرير ذلك المنهج الكامل المتكامل الذي لا يأخذ العقل وحده بالتحرج في أحكامه , والتثبت في استقرائه ; إنما يصل ذلك التحرج بالقلب في خواطره وتصوراته , وفي مشاعره وأحكامه , فلا يقول اللسان كلمة ولا يروي حادثة ولا ينقل رواية , ولا يحكم العقل حكما ولا يبرم الإنسان أمرا إلا وقد تثبت من كل جزئية ومن كل ملابسة ومن كل نتيجة , فلم يبق هنالك شك ولا شبهة في صحتها . (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)حقا وصدقا . .