الدرس الأول:40 - 44 نفي الولد والشريك عن الله وخضوع المخلوقات له (أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا ? إنكم لتقولون قولا عظيما ?)
استفهام للاستنكار والتهكم . استنكار لما يقولون من أن الملائكة بنات الله , تعالى الله عن الولد والصاحبة كما تعالى عن الشبيه والشريك . وتهكم على نسبة البنات لله وهم يعدون البنات أدنى من البنين ويقتلون البنات خوف الفقر أو العار ; ومع هذا يجعلون الملائكة إناثا , وينسبون هؤلاء الإناث إلى الله ! فإذا كان الله هو واهب البنين والبنات , فهل أصفاهم بالبنين المفضلين واتخذ لنفسه الإناث المفضولات ?!
وهذا كله على سبيل مجاراتهم في ادعاءاتهم لبيان ما فيها من تفكك وتهافت . وإلا فالقضية كلها مستنكرة من الأساس:
(إنكم لتقولون قولا عظيما). . عظيما في شناعته وبشاعته , عظيما في جرأته ووقاحته , عظيما في ضخامة الافتراء فيه , عظيما في خروجه عن التصور والتصديق .
(ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا , وما يزيدهم إلا نفورا). .
فقد جاء القرآن بالتوحيد , وسلك إلى تقرير هذه العقيدة وإيضاحها طرقا شتى , وأساليب متنوعة , ووسائل متعددة(ليذكروا)فالتوحيد لا يحتاج إلى أكثر من التذكر والرجوع إلى الفطرة ومنطقها , وإلى الآيات الكونية ودلالتها ; ولكنهم يزيدون نفورا كلما سمعوا هذا القرآن . نفورا من العقيدة التي جاء بها , ونفورا من القرآن ذاته خيفة أن يغلبهم على عقائدهم الباطلة التي يستمسكون بها . عقائد الشرك والوهم والترهات .
وكما جاراهم في ادعاءاتهم في حكاية البنات ونسبتها إلى الله ليكشف عما فيها من تفكك وتهافت , فهو يجاريهم في حكاية الآلهة المدعاة , ليقرر أن هذه الآلهة لو وجدت فإنها ستحاول أن تتقرب إلى الله , وأن تجد لها وسيلة إليه وسبيلا:
قل:لو كان معه آلهة كما يقولون , إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا . .
ولو - كما يقول النحاة - حرف امتناع لامتناع , فالقضية كلها ممتنعة , وليس هنالك آلهة مع الله - كما يقولون - والآلهة التي يدعونها إن هي إلا خلق من خلق الله سواء كانت نجما أو كوكبا , إنسانا أو حيوانا , نباتا أو جمادا . وهذه كلها تتجه إلى الخالق حسب ناموس الفطرة الكونية , وتخضع للإرادة التي تحكمها وتصرفها ; وتجد طريقها إلى الله عن طريق خضوعها لناموسه وتلبيتها لإرادته:
إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا . . وذكر العرش هنا يوحي بالارتفاع والتسامي على هذه الخلائق التي يدعون أنها آلهة(مع)الله . وهي تحت عرشه وليست معه . . ويعقب على ذلك بتنزيه الله في علاه:
سبحان وتعالى عما يقولون علوا كبيرا . .
ثم يرسم السياق للكون كله بما فيه ومن فيه مشهدا فريدا , تحت عرش الله , يتوجه كله إلى الله , يسبح له ويجد الوسيلة إليه:
(تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن , وإن من شيء إلا يسبح بحمده , ولكن لا تفقهون تسبيحهم , إنه كان حليما غفورا). .
وهو تعبير تنبض به كل ذرة في هذا الكون الكبير , وتنتفض روحا حية تسبح الله . فإذا الكون كله حركة وحياة , وإذا الوجود كله تسبيحة واحدة شجية رخية , ترتفع في جلال إلى الخالق الواحد الكبير المتعال .
وإنه لمشهد كوني فريد , حين يتصور القلب . كل حصاة وكل حجر . كل حبة وكل ورقة . كل زهرة وكل